التناقض الأميركي تجاه لبنان.. شعارات السيادة ووقائع الاحتلال.. غسان ريفي

ثمة تناقض واضح في المواقف الأميركية تجاه لبنان، سواء في إعلان دعم سيادته وسلامة أراضيه، بالتزامن مع مساندة إسرائيل في إبقاء احتلالها لأجزاء من هذه الأراضي، أو في الحديث عن تطوير قدرات الجيش اللبناني وتجهيزاته، ثم تعطيل مفاعيل مؤتمرات الدعم المخصصة له، والتشكيك بقدراته والتأكيد أن الجيش غير قادر على تنفيذ المهام المطلوبة منه.

 

ولعل أبرز وجوه هذا التناقض يتجلى في ملف قوات “اليونيفيل”، حيث تطالب السلطات اللبنانية، برئاساتها وجيشها ومؤسساتها، بتمديد ولاية قوات الطوارئ الدولية سنة إضافية، في حين ترفض الولايات المتحدة ذلك جملة وتفصيلاً. فكيف تعلن واشنطن دعم السلطة اللبنانية، ثم ترفض مطلباً ينسجم مع توجهاتها ويخدم مصالحها، فيما يشكّل وجود “اليونيفيل” عامل توازن على أرض الجنوب؟

 

والأسوأ أن التبريرات الأميركية تتركز على عدم قدرة “اليونيفيل” على منع حزب الله من التمدد والتسلح، في حين تُغفل تماماً وجود الاحتلال الإسرائيلي واعتداءاته ومجازره المستمرة، رغم أن قوات الطوارئ الدولية موجودة في الجنوب منذ عقود، في إطار مهمة ترتبط بالحفاظ على الاستقرار ومراقبة تنفيذ القرارات الدولية.

 

ويبدو واضحاً أن الولايات المتحدة تريد الجنوب اللبناني منطقة خالية من أي قوة دولية، في ضوء التصريحات الصادرة عن وزارة الخارجية الأميركية الرافضة لتمديد ولاية قوات “اليونيفيل”، وهذا من شأنه أن يتيح للعدو الإسرائيلي مواصلة احتلاله واعتداءاته من دون حسيب أو رقيب. 

وفي موازاة ذلك، تضع واشنطن العراقيل أمام تشكيل أي قوة دولية بديلة تحت مظلة الأمم المتحدة، وكذلك أمام تشكيل لجنة التحقق.

 

ويتزامن ذلك مع رفض إسرائيل الالتزام باتفاق الإطار ومماطلتها في الموافقة على عقد أي جلسة تفاوضية جديدة، سواء عسكرية أو سياسية، في تامبا أو روما، الأمر الذي يؤكد النوايا الإسرائيلية الرامية إلى فرض وقائع ميدانية جديدة تمهّد لاحتلال طويل الأمد.

 

وفي هذا الإطار، تبرز محاولات الاستيطان الإسرائيلي لما يُسمّى “المنطقة الصفراء”، انسجاماً مع رغبة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو المعلنة في ربط جنوب لبنان بجنوب سوريا، بما يؤدي إلى إنشاء منطقة عازلة أو آمنة تحمي المستوطنات الشمالية في فلسطين المحتلة، وتكرّس واقعاً جغرافياً وأمنياً يخدم الأطماع الإسرائيلية على حساب الأراضي اللبنانية.

 

هذا الواقع يؤكد بما لا يقبل الشك أن الولايات المتحدة تعمل على تحقيق مصالح إسرائيل ومطامعها، وأن كل ما تعلنه عن دعم لبنان وسيادته واستقلاله وسلامة أراضيه ليس سوى شعارات ممنوعة من الصرف، لا تجد ترجمة فعلية على الأرض، بل تمنح الاحتلال مزيداً من الوقت والغطاء لمواصلة اعتداءاته وفرض شروطه.

 

ولعل الأخطر من كل ذلك هو أن السلطة اللبنانية لا تزال تلتزم بالإملاءات الأميركية وتراهن على الوعود التي لم يُنفَّذ منها شيء منذ اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، وصولاً إلى اتفاق الإطار. وفي المقابل، تذهب بعض التيارات السياسية اللبنانية بعيداً في تبنّي السردية الأميركية ـ الإسرائيلية، بما يثير مخاوف جدية من أن تكون هذه المقاربة مدخلاً لتكريس احتلال صهيوني طويل الأمد، في ظل غياب الضمانات الفعلية التي تحمي لبنان وسيادته وأرضه.

 

وبين شعارات أميركا عن دعم السلطة اللبنانية وممارساتها التي تكرّس حرية الحركة للاحتلال الإسرائيلي، يبدو أن المطلوب أميركياً وإسرائيلياً ليس حماية سيادة لبنان، بل إعادة رسم واقع الجنوب بما يتناسب مع المصالح الإسرائيلية، على حساب سيادة لبنان وسلامة أراضيه.

Post Author: SafirAlChamal