بين خطاب رئيس الحكومة نواف سلام أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وزيارته إلى النبطية يوم السبت الفائت، تتضح الفجوة بين ما تطرحه الحكومة من عناوين وشعارات سياسية وما تستطيع تحقيقه على الأرض. ففي نيويورك تحدث سلام عن سيادة لبنان، وضرورة الانسحاب الإسرائيلي، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، فيما جاءت زيارته إلى الجنوب لتضع هذه العناوين أمام اختبار الواقع، في وقت لا تزال فيه إسرائيل تواصل اعتداءاتها وتتحكم باستقرار المنطقة.
هذه هي المعضلة التي واجهت زيارة سلام، الذي أكد أن “الدولة لن تتخلى عن أبناء الجنوب”، فيما كان هؤلاء ينتظرون منه خطوات فعلية تضع حداً للعدوان وتتيح لهم العودة إلى منازلهم بأمان.
ما يريده أبناء الجنوب عموماً والنبطية خصوصاً ليس جولة رسمية أو وعوداً بالتعافي، بل وقف الاعتداءات التي تجعل حياتهم وممتلكاتهم عرضة للخطر.
وقد استغل عدد من الأهالي وجود سلام في المدينة لتفقد منازلهم، قبل أن يغادروا مع انتهاء الزيارة وتجدد القصف الذي طال النبطية وزوطر والمنصوري والمرتفعات الأمر الذي أفرغ زيارة سلام من مضمونها ومن وعودها وشعاراتها، على قاعدة أن “فاقد الشيء لا يعطيه”.
وتتصل هذه المعضلة مباشرة بأداء الرئيس سلام في الأمم المتحدة، فالجمعية العامة كانت فرصة استثنائية لعرض حجم الكارثة التي أصابت الجنوب، من أعداد الشهداء والمنازل المدمرة إلى البلدات التي جرفها الاحتلال، ووضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته في وقف الاعتداءات وإلزام إسرائيل بالانسحاب.
وكان يفترض أن يشكل هذا الجانب محوراً أساسياً في الخطاب اللبناني، وأن تُستثمر أهمية المنبر الدولي لتثبيت وقائع العدوان وتحويلها إلى ضغط سياسي ودبلوماسي.
صحيح أن سلام طالب بالانسحاب الإسرائيلي وتثبيت وقف إطلاق النار، لكن خطابه ركز على قضايا دولية واسعة، بينها الذكاء الاصطناعي وإصلاح مجلس الأمن وتمثيل أفريقيا والعالم العربي فيه، ونسي أو تناسى أن يُضمّن خطابه معاناة الجنوبيين وإدانة جرائم العدو والمجازر والتدمير والتجريف والتأكيد على عدم التزام إسرائيل باتفاق الإطار.
كان بإمكان سلام أن يربط بين ما يقوله عن سيادة الدولة وبين ما يتعرض له لبنان من انتهاكات، وأن يجعل حماية الجنوب معياراً لجدية المجتمع الدولي في تطبيق القرارات التي يتحدث عنها، وبالتالي هو يستطيع تأكيد التزام حكومته بالجنوب، لكنه لا يستطيع تحويل هذا الالتزام إلى واقع ما لم ينجح في انتزاع وقف للاعتداءات وتأمين مقومات العودة والإعمار.
كما أن الحديث عن بسط سلطة الدولة يفقد جزءاً أساسياً من مضمونه عندما يستمر العدو في عدوانه من دون رقيب محلي وحسيب دولي.
لذلك فإن أبناء الجنوب لا يحتاجون إلى تكرار شعار “إن الدولة لن تتخلى عنهم”، بل إلى أن يروا هذا الالتزام في رفع صوتهم أمام العالم، وفي ممارسة ضغط سياسي جدي لوقف العدوان.
وبين الأمم المتحدة والنبطية، بدا أن للرئيس نواف سلام لغتين: لغة في الخارج تتحدث عن السيادة والانسحاب وتغفل العدوان الاسرائيلي وادانته، وأخرى داخلية تكتفي بالوعود.
وبين اللغتين، تبقى مآسي أبناء الجنوب وصمودهم أكثر حضورا من كل الزيارات وما تتضمنه من شعارات.




