بين جنبلاط 83 وجنبلاط 26.. من موقف يقلب المشهد لموقف للتاريخ.. مريم نسر

من لحظة الإعلان عن اتفاق الإطار بين السلطة اللبنانية والعدو الإسرائيلي كان موقف رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي السابق وليد جنبلاط واضحاً، حيث أبدى تحفظه عليه ولم يُشبِّهه فقط باتفاق السابع عشر من أيار، بل اعتبره لا يقل خطورة عنه، خاصة أنه لم يفرض إنسحاباً إسرائيلياً من جنوب لبنان بالإضافة الى تغييب إتفاقية الهدنة عام 1949 التي يتمسّك بها جنبلاط كحل يمكن التوصل إليه بنهاية هذه الحرب.

 

جنبلاط ذهب بعيداً في توصيف اتفاق الإطار، حيث اعتبره إتفاقاً أحادياً أملته إسرائيل، ورغم حسم الموقف أعلن جنبلاط بالوقت نفسه أنه لن يكون جزءاً من أي ائتلاف أو جبهة تُقام لإسقاطه كما حصل بعد اتفاق السابع عشر من ايار عام 1983، فهو كأنه أخذ مساراً بين الألغام ينتقد الإتفاق دون التعرّض لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، فانتخاب الأول وتكليف الثاني كان خياره، لذا اقتصر موقفه على الإعتراض على الإتفاق كموقف للتاريخ لا يُرافقه أي إجراء يُعيد لحظة تاريخية سابقة له.

 

رغم دقة موقف جنبلاط وحساباته، فهو التقى مع الرئيس نبيه بري بنفس الموقف ومع وزراء بالحكومة الحالية والحكومات السابقة ونواب حاليين وسابقين وشخصيات سياسية ومع التيار الوطني الحر.

فعلياً لم يتم تشكيل جبهة لمواجهة الإتفاق، لذا يمكن القول واقعاً وبشكل تلقائي أنه تم تشكيل “جبهة هادئة” بوجهه، وعن قصد أو عن غير قصد التقت مع المقاومة رغم خلاف بعض شخصياتها معها واختلافهم بكثير من القضايا والملفات، ورغم أن حوالي الثلثين في البلد كانوا ضد اتفاق الإطار لم يستطيعوا إيقافه بسبب الهيمنة الأميركية على القرار السياسي للبلد، فتعاظم النفوذ الأميركي في هذه المرحلة معطوفا على استمرار الحرب وعدم وضوح المشهد الإقليمي، وضع حداً للقوى السياسية في لبنان بالتعامل مع إتفاق الإطار وكأن المسموح أو المُتاح اليوم هو فقط تسجيل اعتراض وهذا ما انتهجه جنبلاط من اللحظة الأولى..

 

يَشرح جنبلاط كثيراً ويُفنّد سبب اعتراضه على اتفاق الإطار الذي لا يرتكز على مستند قانوني، فهو اعتبره تكراراً لتجارب فاشلة وشبّهه مراراً باتفاق أوسلو الذي أعطى فقط وعوداً للفلسطينيين، قائلاً: “أوسلو الفلسطيني وُلِد ميتاً وأوسلو اللبناني على الطريق”، فهذا الإتفاق لم يعطِ لبنان حقه ولم يذكر أو يؤمِّن الإنسحاب الإسرائيلي. 

ويلفت جنبلاط الى أنه لا حدود للمطالب الإسرائيلية والمطامع سوى المزيد من التوسّع للسيطرة على الأرض والمياه مع إمكانية قيام مستوطنات، وهو سجّل موقفه من اتفاق السلطة، لكن بنفس الوقت هو ليس بعيداً عن الرأي الذي يتبنى فكرة عدم جدوى المقاومة بعد كل ما حدث وفي هذه المرحلة. 

لذا يبدو جنبلاط وكأنه يبحث عن مسار آخر يصل في النهاية الى اتفاقية الهدنة عام 1949 التي تضمن للبنان حقه بترسيم الحدود والإبقاء على حالة العداء مع إسرائيل، فهذه الإتفاقية أمتن من 1701 الذي ينتهي فعلياً مع نهاية مهمة اليونيفل في جنوب لبنان.

 

يَعلم جنبلاط أن لموقفه ثمناً وفي نفس الوقت لا يمكن إلا أن يأخذه، فاعتمد أسلوب “تسجيل موقف” ربما يعتبره البعض مبدئياً أو ممكن توصيفه أنه للتاريخ، وبهذا الموقف يكون قد وقف مع المقاومة بمرحلة تاريخية صعبة أيضاً ولو كان بطريقته المختلفة المعتادة، وهذا ما يفهمه حزب الله جيداً بحسابات المرحلة الدقيقة، وكأنه يقول:”ليس مطلوباً أكثر من ذلك”..

 

Post Author: SafirAlChamal