كتب المحرر السياسي
حملت إطلالة الرئيس نجيب ميقاتي أمس عبر قناة “هلا آرابيا” مع الزميل وليد عبود رسائل سياسية عدة، أبرزها أن الابتعاد عن السلطة التنفيذية لا يعني الانكفاء عن الحياة السياسية، والخروج من السراي لا يعني الخروج من المعادلة.
ميقاتي تحدث من موقع رئيس حكومة سابق يملك تجربة في إدارة أصعب المراحل في لبنان عندما واجه الانهيار والحرب بغياب رئيس الجمهورية وبحكومة تصريف أعمال حققت الكثير مما لم تستطع تحقيقه حكومات أخرى لا سيما على صعيد اتفاق وقف إطلاق النار بمفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل وبتسليم العهد الجديد البلد بمؤسسات عسكرية وأمنية وإدارية فاعلة.
لذلك جاءت مقاربته للواقع اللبناني من موقع العارف بخفايا الأمور، ومختلفة عن مقاربة من يتعامل مع الملفات من خارج التجربة.
لم يطرح الرئيس ميقاتي نفسه بديلاً عن الحكومة الحالية، ولم يدخل في مواجهة مع رئيسها نواف سلام، بل أكد دعمه لاستمرارها وتمنياته بنجاحها، واعتبر أن الظروف الراهنة لا تسمح بتشكيل حكومة جديدة، داعياً في الوقت نفسه إلى تفعيل عملها ومكافحة الفساد وتصحيح مسار التعيينات.
ولعل أبرز الدلالات في حديث ميقاتي هي أنه ليس في وارد خوض معركة على موقع رئاسة الحكومة، وانه في المقابل موجود في صلب المشهد وحاضر في النقاش السياسي من موقع يتيح له أن ينتقد حيث يجب، وان يدعم عندما تدعو الحاجة، فضلا عن وضع تجربته الناجحة في خدمة قراءة المرحلة المقبلة وفي ايجاد الحلول.
في الملف الجنوبي، بدا واضحاً أن ميقاتي يقرأ التطورات من زاوية أوسع من اللحظة السياسية الراهنة، فهو لا يتعامل مع “اتفاق الإطار” باعتباره حلاً نهائياً، بل يعتبر أن اتفاق الهدنة والقرار 1701 يشكلان الأساس لأي تسوية يمكن أن تقود إلى استقرار دائم على الحدود.
وهذا الموقف يعكس جوهر مقاربته، لجهة أن المطلوب ليس إدارة الأزمة من جولة تفاوضية إلى أخرى، بل الوصول إلى صيغة تؤمن وقف الاعتداءات، وتحرير الأرض، وعودة النازحين، وتوفير ضمانات دولية تمنع تجدد العدوان. وفي الوقت نفسه، يربط ميقاتي معالجة ملف السلاح بمسار تحرير الأرض، معتبراً أن الوصول إلى حل لهذا الملف ممكن إذا توافرت التفاهمات والضمانات المطلوبة، معوّلا بذلك على رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون الذي يهمه الاستقرار والسيادة والاستقلال وعودة النازحين ويسلك أي طريق لتنفيذ ما أقسم عليه.
وفي هذا الإطار لم يذهب ميقاتي إلى مقاربة تقوم على تحميل طرف واحد مسؤولية الأزمة. فعندما تحدث عن الحوار بين رئيس الجمهورية وحزب الله، توقف عند وجود نقاط تلاقٍ في الأهداف، معتبراً أن الخلاف الحقيقي يكمن في الآلية. وهذه القراءة تضعه في موقع الباحث عن مساحة مشتركة، في وقت يذهب فيه البعض إلى التوتير والتشفي والنظر بعين واحدة إلى الأزمة، كونه يعتبر أن الساحة اللبنانية أكثر حاجة إلى التسويات من المزايدات.
وفي هذا السياق أيضاً، يأتي دفاعه عن دور الرئيس نبيه بري في المفاوضات السابقة، وتأكيده أن الوصول إلى أي اتفاق كان يحتاج إلى موافقة من يملك قرار الحرب.
وهي إشارة إلى أن ميقاتي لا يزال ينظر إلى التوازنات الداخلية بوصفها جزءاً أساسياً من أي حل، وأن تجاوز القوى المؤثرة في المعادلة لن يقود إلى نتائج عملية.
لكن البعد الداخلي في مقابلة ميقاتي لا يقل أهمية عن البعد الجنوبي، فهو لا يرى تعديلاً حكومياً، ويدعم بقاء حكومة سلام، لكنه في الوقت نفسه لا يمنحها شيكاً على بياض، فالأزمة الاقتصادية، والاعتداءات الإسرائيلية، والاحتلال، وملف النازحين، كلها تستوجب، برأيه، مضاعفة العمل الحكومي لا الاكتفاء بإدارة الأزمة.
أما علاقته بسوريا، فتكشف جانباً آخر من رؤيته السياسية، فهو يرى في التحولات السورية فرصة لإعادة بناء علاقة لبنانية سورية تقوم على تحقيق المصالح المشتركة، وخصوصاً الاقتصادية منها، ويضع طرابلس في قلب هذه المعادلة.
من هنا يأتي حديثه عن مطار القليعات، الذي يراه جزءاً من مرحلة جديدة يمكن أن يستفيد منها الشمال اقتصادياً وتنموياً، فضلا عن مرفأ طرابلس ومرافقها الاقتصادية التي يمكن أن تلعب دورا محوريا في تشكيل رافعة نهوض للاقتصاد الوطني.
ولعل هذه النقطة تحديداً تعيد ميقاتي إلى ساحته الأساسية طرابلس التي لم يتخل عنها يوما وما تزال مؤسساته المنضوية تحت راية جمعية العزم والسعادة الاجتماعية تعمل منذ عقود من الزمن بوتيرة ثابتة في خدمة أبناء المدينة والجوار الشمالي، وبالتالي فإن مقاربته الطرابلسية تؤكد ان الفيحاء لا تريد عطفا من الدولة بقدر ما تحتاج الدولة إلى طرابلس للاستفادة من مرافقها الحيوية التي يتفاءل ميقاتي بمستقبلها.
وكان لافتا حرص ميقاتي على التأكيد أن علاقته بالرئيس نواف سلام ممتازة، وأنه يكن له كل الاحترام. وهي رسالة سياسية بحد ذاتها، خصوصاً في مرحلة تكثر فيها القراءات التي تبحث عن صراع بين رؤساء الحكومات السابقين والحكومة الحالية، حيث اختار إبن طرابلس أن يفصل بين العلاقة الشخصية وبين تقييم الأداء، وأن يجعل مصلحة استمرار الدولة فوق الحسابات المرتبطة بالمواقع.
من هنا، تبدو إطلالة ميقاتي أبعد من مجرد مقابلة سياسية، بل هي تأكيد على حضور رجل دولة خرج من موقع المسؤولية، لكنه لم يغادر المشهد، ولا دائرة التأثير في الملفات الأساسية التي تحكم مستقبل لبنان.
في بلد تتغير فيه موازين القوى بسرعة، وتبقى فيه رئاسة الحكومة موقعاً شديد الحساسية في التوازن الوطني، لا يحتاج ميقاتي إلى أن يكون في السراي كي يكون حاضراً في النقاش حولها. بل يكفي أنه يتحدث من موقع تجربة رئاسية سابقة شهد لها العالم، ومن موقع علاقات سياسية محلية وإقليمية ودولية واسعة، ومن معرفة مباشرة بتعقيدات الملفات التي يتناولها.
وبين الانكفاء والعودة الكاملة، يختار ميقاتي موقعاً ثالثاً يتمثل بالحضور، والمواكبة، والتأثير، وانتظار ما ستؤول إليه المرحلة.
في لبنان، حيث تتبدل المواقع سريعاً، قد لا يكون الأهم من يجلس في السراي اليوم، بل من يبقى حاضراً في صناعة المرحلة المقبلة.




