لم يكن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والبيت الأبيض في الثالث من يونيو ٢٠٢٦ عن “بيان ثلاثي رسمي” لوقف إطلاق النار في جنوب لبنان سوى وضع الأزمة فوق سكة تفاوضية شاقة ومعقدة، بدلاً من كونها حلماً بالسلام الدائم، فبينما رُحّب بالبيان المشترك (الأمريكي – اللبناني – الإسرائيلي) كمرحلة انتقالية تلزم الأطراف بمهلة لتطبيق وقف الأعمال القتالية وتحدد يوم ٢٢ لاستئناف المسارين السياسي والأمني الشاملين، واصلت إسرائيل غاراتها وتوغلها الميداني، ليجد المواطن اللبناني نفسه أمام معادلة مركبة: ترتيبات سياسية تفرضها واشنطن، وتغول إسرائيلي يحاول فرض سياسة الأمر الواقع على الأرض.
لنقرأ المشهد من جديد وفق المستجدات الراهنة:
أولاً: بيان واشنطن الثلاثي… التزام على الورق واختبار بالنار..
جاء الاتفاق بعد جولة رابعة من مفاوضات شاقة في العاصمة الأمريكية، ليعلن فترة انتقالية حرجة.
ولكن خلافاً للروح الدبلوماسية للبيان، لم تتردد إسرائيل في توجيه الرسائل بالنار؛ وخلال ساعات قليلة من الإعلان، واصلت الطائرات الإسرائيلية غاراتها العنيفة والمحددة في “الغازية” والنبطية والمنصوري، فضلاً عن عمليات التفجير الممنهجة في “زوطر الشرقية”.
وقد أعلن وزير الأمن الإسرائيلي “يسرائيل كاتس” صراحة عن شروط تل أبيب الصارمة: حرية الحركة العسكرية المطلقة في صور وصيدا، مع فرض قيود خانقة على بيروت، محولاً الهدنة من “وقف دائم للقتال” إلى هندسة أمنية جديدة تخدم مصالح إسرائيل أولاً، تماماً كما حدث في سيناريوهات الحروب التي شهدها لبنان منذ عام ١٩٨٢.
ثانياً: التوغل الإسرائيلي والمناطق التجريبية…
هندسة ديمغرافية وأمنية..
عسكرياً، ركّزت إسرائيل على فرض ما تصفه بـ “المناطق التجريبية” (Pilot Zones) جنوب نهر الليطاني، محاولةً دفع مظاهر وسلاح حزب الله بالكامل نحو الشمال وتثبيت سيطرة نارية واستراتيجية شاملة على محيط قلعة الشقيف والمناطق المشرفة.
المفارقة هنا هي أن الترتيبات الأمريكية تُجرى بينما الجرافات الإسرائيلية تُثبّت أقدامها على الأرض. هذا التوجه هو إعادة إنتاج لخطأ “الشريط الأمني” (١٩٨٥-٢٠٠٠)؛ فالأمن لا يُفرض باشتراط حرية الحركة العسكرية للغارات الإسرائيلية، بل بالتطبيق الصارم وغير المشروط للقرار الدولي ١٧٠١.
ما تفعله إسرائيل هو تحويل الهدنة إلى “احتلال ناعم” ينتج غضباً شعبياً جديداً، ويبقي مستوطني الشمال في قلق مستمر.
ثالثاً: مربع الدولة الرسمي… صمام الأمان أمام التدويل..
وسط هذا التناقض، لم يعد التحرك الدبلوماسي اللبناني مقتصراً على الاتصالات التقليدية لرئيس مجلس النواب نبيه بري، بل برز “مربع رسمي” متماسك للدولة اللبنانية. جاء تحذير رئيس الجمهورية جوزيف عون حاسماً حين وصف هذا الاتفاق بأنه “الفرصة الأخيرة وإلا فليتحمل كل فريق مسؤولياته”.
وتكامل هذا الموقف مع تصريحات رئيس مجلس الوزراء نواف سلام الذي أكد أن “خلو منطقة جنوب الليطاني من المسلحين والسلاح لم يُفرض على لبنان”، بل هو مصلحة وطنية عليا لبسط السيادة.
هذا التحول الرسمي يعكس قناعة الدولة بأن الضمانات الأمريكية، رغم أهميتها كقناة إلزامية، تحتاج إلى غطاء رسمي لبناني يمنع تفتت الجبهة الداخلية أمام الضغوط الخارجية.
رابعاً: المقاومة حق طبيعي… ببوصلة السيادة اللبنانية
في خضم الحديث عن الاتفاقات والخروقات، لا بد من تثبيت مسلّمة: فعل المقاومة حق طبيعي للشعوب التي تواجه احتلالاً وأطماعاً مستمرة، والصراع مع الكيان الصهيوني تاريخي نظراً لطبيعته العدوانية.
لكن هذا الحق الطبيعي يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى تصويب مسار ليبقى مصدر قوة لا عبئاً؛ والمطلوب أن تكون المقاومة خياراً وطنياً بقرار لبناني خالص، لا ورقة في حسابات القوى الإقليمية.
إن الدستور والبيانات الوزارية لطالما تضمنت معادلة حماية الوطن، والصيغة الواضحة اليوم هي أن السلاح يجب أن يكون مسانداً للجيش اللبناني، وتحت سقف السيادة التامة للدولة، لا فوقها أو خارج تطلعاتها.
خامساً: إرهاق الشارع… من “الشعارات” إلى “البقاء”
كان الحضور الخجول في دعوات التجمع الأخيرة، وحالة الصمت الشاحب في الشارع، أبلغ من أي خطاب سياسي؛ فالبيئة الحاضنة التي دفعت ثمناً بشرياً واقتصادياً غير مسبوق دخلت مرحلة “الإرهاق الجمعي”.
إن العائلات التي تبحث عن مأوى بين الركام، أو تلك التي نامت في العراء طوال الأسابيع الماضية، لم تعد قادرة على احتمال جولات قتال جديدة قبل تأمين الأمان، والخبز، وسقف يحمي أطفالها. الرسالة الشعبية الواضحة للجميع: الأولوية تحوّلت من الانخراط في مشاريع المواجهة الكبرى إلى غريزة “البقاء”. ومن يتجاهل هذا التحول النفسي والمعيشي العميق، يخسر الحاضنة الشعبية قبل أن يخسر المعركة السياسية.
سادساً: الموقف الإقليمي… معادلة مياه الخليج وإعادة الإعمار..
تغيّر الموقف الإقليمي بشكل جذري ومترابط؛ حيث تربط القوى العربية والخليجية (السعودية والإمارات ومصر) أي دعم مالي لإعادة إعمار الجنوب بشرط حاسم: بسط سيادة الدولة وحصر السلاح بيد مؤسساتها الشرعية والجيش اللبناني.
على الجانب الآخر، جاء الموقف الإيراني متأثراً بملفات أوسع؛ فطهران التي تواجه ضغوطاً متصاعدة وتوترات لاهبة في مياه الخليج العربي، وجدت في تهدئة جبهة لبنان فرصة للتبريد أو كجزء من مقايضة كبرى ومفاوضات خلفية مع واشنطن.
هذا الضغط الإقليمي المزدوج يضيّق الخناق على أي مشروع عسكري لا يمر عبر القنوات الرسمية للدولة اللبنانية.
سابعاً: “الانتصار المكلف”… من الخاسر الحقيقي؟
إذا كان مفهوم الانتصار يقاس بحماية المجتمع واستقراره وتأمين جغرافيا الوطن، فالخاسر الأكبر هو المدني اللبناني: قرى كاملة سُوّيت بالأرض، واقتصاد مشلول، ونزوح جماعي منهك.
ما حدث ميدانياً هو “صمود مكلف جداً”؛ نعم، قد يحافظ حزب الله على هيكليته العسكرية، لكن البيئة الإنسانية والاجتماعية أصيبت بانهيار غير مسبوق. وفي المقابل، دمرت إسرائيل الحجر، لكنها فشلت أمنياً في تحقيق “الأمان المطلق” لمستوطني الشمال، بينما بقيت الدولة اللبنانية عاجزة في المنتصف تحاول لملمة الشتات.
الخلاصة: لحظة الحقيقة بعد “بيان 3 يونيو”..
يقف لبنان اليوم بعد الإعلان عن الاتفاق الانتقالي برعاية واشنطن أمام أربعة مسارات مستقبليّة:
١-“الجراحة الإنقاذية الشجاعة”: حوار وطني جريء وسريع يستثمر مهلة الـ ٢٢ من يونيو لتطبيق القرارات الدولية، وحصر السلاح بيد الدولة والجيش اللبناني الشرعي، مع الاعتراف بأن الدفاع عن لبنان حق أصيل ومساند للدولة وتحت مظلة الدستور.
هو مسار موجع سياسياً، لكنه يشفي ويفسح المجال لإعادة الإعمار.
٢-“النزيف المستمر”: بقاء الوضع على ما هو عليه؛ اتفاقات هشة تخترقها تل أبيب يومياً بغارات موضعية، وتوغل إسرائيلي وقضم تدريجي، وانهيار اقتصادي وبنيوي بطيء دون أفق أو قرار حاسم.
٣-“الصمت الاستراتيجي والتآكل”: انتظار تغير المعادلات الإقليمية والدولية والرهان على عامل الوقت لإرهاق إسرائيل.
إلا أن لهذا الصمت ثمناً باهظاً: تثبيت “الاحتلال الناعم”، واستنزاف موارد الجنوب، وتآكل ما تبقى من هيبة ومصداقية للدولة اللبنانية.
٤-“الإدارة العسكرية-الدولية المفروضة” (التدويل الناعم): وهو المسار الأكثر تماشيا مع واقع الأمور والأقرب للميدان؛ حيث لا ينتظر الخارج توافقاً لبنانياً داخلياً، بل تُفرض الترتيبات الأمنية والمرحلية كأمر واقع عبر خطة “المناطق التجريبية” (Pilot Zones) بإشراف الجيش اللبناني المدعوم دولياً، وبقاء السيطرة النارية الإسرائيلية كتهديد معلق، مما يجبر كل الأطراف على الانصياع التدريجي لشروط المجتمع الدولي كشرط وحيد لتدفق أموال الدعم الخارجي.
فأيّ الخيارات سيختار اللبنانيون؟ جراحة توجع لكنها تنقذ، أم نزيف يريحهم اليوم ويُنهكهم غداً، أم صمت يراهنون فيه على المجهول، أم الاستسلام لترتيبات دولية تُفرض عليهم بقوة الأمر الواقع؟.




