قرارٌ في الوقت الضّائع لوقف إطلاق النّار.. وُلدَ ميتاً.. عبدالكافي الصمد

لم يكن مصير قرار وقف إطلاق النّار الذي جرى التوصّل إليه في العاصمة الأميركية واشنطن، بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي وبرعاية أميركية، أفضل من مصير سابقيه من القرارات التي كانت تسقط تباعاً وتبقى مجرد حبرٍ على ورق، إذ لم يصمد أكثر من بضع ساعات قبل أن تعيد التطورات الميدانية على الأرض الأمور إلى نقطة البداية.

فعلى الرّغم من أنّ القرار اعتبر في نظر مراقبين يصبّ في مصلحة إسرائيل، ويُحقّق لها الكثير من الأهداف التي تسعى إليها، إلّا أنّها تعاطت مع الإتفاق وكأنّه لم يكن، ذلك أنّ غاراتها على مناطق لبنانية عدّة وقصف طيرانها الحربي لها لم تتوقف، وإنذارات جيشها لأهالي بلدات وقرى لبناينة بإخلائها تمهيداً لقصفها إستمرت على الوتيرة نفسها، وكذلك إنّ تحذيرها الأهالي بعدم التوجّه جنوب نهر الزهراني أظهر أنّ خططها العدوانية لم يلجمها القرار الأخير لوقف إطلاق النّار، كما لم يلجمها سواه من قرارات سابقة.

هذه الخطط عبّر عنها بوضوح وزراء في حكومة العدو، قبل أن يجفّ حبر القرار، إذ أكّدوا أنّه “سيتم إنشاء منطقة منزوعة السّلاح جنوب نهر الليطاني، ومنع عودة الأهالي إليها”، وأنّ إسرائيل “تملك حرية الحركة لمهاجمة بيروت بدعم أميركي، وتسويتها بالأرض، إلى جانب تدمير الضاحية الجنوبية والبقاع”، وسط إستعدادات على الأرض من الجانب الإسرائيلي لشنّ طلعات جوية وهجمات بريّة جديدة على لبنان، واعتبار أنّ “أيّ تراجع عن تحقيق هذه الأهداف يعتبر فشلاً لإسرائيل بمواجهة حزب الله”.    

رفض حزب الله للقرار كان متوقعاً، وهو رفضٌ أبلغه الحزب للسّلطات اللبنانية، قبل أن يخرج الأمين العام للحزب نعيم قاسم لينعي القرار بعدما اعتبره “وهمياً”، وأنّه “عبارة عن استسلام”، و”يحقق أهداف العدو” و”هو طرحٌ كحلم إبليس في دخول الجنّة”.

وكما أحدث الإتفاق إنقساماً داخلياً في إسرائيل بين رافضٍ له ومتحفّظ عليه ومؤيّد له، فإنّه أحدث أيضاً إنقساماً داخلياً لبنانياً. إذ اعتبره رئيس الجمهورية جوزاف عون “الفرصة الأخيرة وإلا ليتحمّل كلّ فريق مسؤوليته”، كذلك اعتبر رئيس الحكومة نوّاف سلام بأنّ “من يرفض القرار يتحمّل وحده المسؤولية”، ما عكس عدم وجود إجماع واسع في لبنان وإسرائيل على القرار ليصبح نافذاً، بالرغم من الضغوط الأميركية التي مورست لإقراره، ما جعل كثيرين يعتبرون القرار بأنّه وُلد ميتاً.

ما سبق يُؤكّد أنّ “طبخة” التسوية لإنهاء الحرب على الجبهة اللبنانية ـ الإسرائيلية لم تنضج بعد، بانتظار التسوية الأكبر في المنطقة والمُنتظرة بين الولايات المتحدة وإيران، وهو إنتظار ليس واضحاً مدته، بعدما اتضح أنّ كلّ الملفات والمسارات متداخلة ومتصلة ببعضها، برغم محاولات البعض فصلها، وأنّ القرارات التي تصدر كلّ فترة لإرساء وقف لإطلاق النّار، ولو مؤقت، ليست سوى محاولات لملء الوقت الضائع إلى حين التوصّل للتسوية الكبرى.

إسرائيل مستنزفة في الجنوب وجاء الاتفاق لينقذ إسرائيل.

Post Author: SafirAlChamal