الكونغرس الأميركي يرفع منسوب الضغط على ترامب في ملف إيران!.. عماد عبد المجيد

شكّل تصويت الكونغرس الأميركي على قرار الحد من صلاحيات الرئيس دونالد ترامب في إعلان الحرب بأكثرية 215 صوتًا مقابل 208 أصوات، والمطالبة بوقف الانخراط العسكري ضد إيران تطوراً سياسياً بالغ الدلالة، لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد خلاف إجرائي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. 

فالقرار يعكس اتجاهاً متنامياً داخل الإدارة الأميركية يرفض الانجرار إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط، ويعبّر عن قلق متزايد من كلفة المواجهة السياسية والاقتصادية والعسكرية.

وكان مجلس الشيوخ سبق مجلس النواب في إظهار تحفظاته على استمرار التصعيد، ما يعني أن الرئيس الأميركي بات يواجه معارضة واضحة داخل الكونغرس بمجلسيه. 

كما أن انشقاق عدد من النواب الجمهوريين والتصويت إلى جانب الديمقراطيين يضيف بعداً سياسياً مهماً، إذ يؤكد أن الاعتراض على الحرب لم يعد مقتصراً على المعارضة الديمقراطية، بل أصبح يمتد إلى صفوف الحزب الجمهوري نفسه.

ويحمل هذا التصويت في طياته رسالة سياسية مباشرة إلى الإدارة الأميركية، كونه 

يُعدّ بمثابة تأنيب سياسي للرئيس ترامب بعدما فشل في تحقيق الأهداف الكبرى التي رُفعت كشعارات لتبرير الحرب على إيران. فبعد أشهر من التهديد والضغوط، لم تتمكن واشنطن من فرض شروطها أو إحداث تغيير استراتيجي يبرر استمرار النهج التصعيدي، فيما تتزايد المخاوف من التداعيات الاقتصادية والأمنية للحرب.

الأهم من ذلك أن الوقت بعد هذه التطورات لم يعد يعمل لمصلحة الولايات المتحدة. فكلما طال أمد الأزمة ارتفعت الأكلاف الاقتصادية والسياسية، وازدادت الضغوط الداخلية على الإدارة الأميركية. 

ومن شأن هذا الواقع أن يدفع ترامب نحو البحث عن اتفاق سريع مع إيران، ليس فقط لتجنب الانزلاق إلى حرب مفتوحة، بل أيضاً لاحتواء الغضب الشعبي الأميركي المتنامي المرتبط بالانعكاسات الاقتصادية لأي مواجهة عسكرية واسعة.

كما أن هذا التطور قد يترك أثراً مباشراً على العلاقة الأميركية – الإسرائيلية. فإذا استمرت حكومة بنيامين نتنياهو في محاولة تعطيل أي تسوية محتملة والسعي إلى إعادة إشعال الحرب، فإنها قد تجد نفسها في مواجهة مزاج سياسي أميركي أكثر حذراً وأقل استعداداً للانخراط في مغامرات عسكرية جديدة. 

هذا الواقع يضع واشنطن تحت ضغط الانقسام الداخلي وتراجع التأييد الشعبي، ما يجعلها أكثر ميلاً إلى الحلول الدبلوماسية وأقل استعداداً لمجاراة السياسات التصعيدية الإسرائيلية.

صحيح أن أنصار ترامب يعتبرون أن أثر القرار محدود، وأن الرئيس يمتلك هامشاً واسعاً للمناورة، بل ويذهب بعضهم إلى اعتبار القرار غير دستوري وقابلاً للطعن. إلا أن القيمة الحقيقية للتصويت لا تكمن فقط في مفاعيله القانونية، بل في رمزيته السياسية. فهو يعكس تراجعاً واضحاً في الإجماع الأميركي حول خيار الحرب.

وتظهر المقارنة التاريخية حجم هذا التحول. فالحروب الأميركية الكبرى في أفغانستان والعراق حظيت في بداياتها بتأييد شعبي تجاوز 80 في المئة. أما اليوم، فإن الحرب ضد إيران لا تحظى سوى بتأييد محدود لا يتجاوز ربع الرأي العام الأميركي وفق استطلاعات عديدة. 

وهذا الفارق الهائل يكشف أن المجتمع الأميركي بات أكثر تشكيكًا في جدوى الحروب الخارجية وأكثر حساسية تجاه أكلافها البشرية والاقتصادية.

لا يمكن النظر إلى تصويت الكونغرس باعتباره حدثاً عابراً. بل هو مؤشر على تصدع الجبهة الداخلية المؤيدة للحرب، ورسالة واضحة بأن خيار المواجهة العسكرية مع إيران يفتقر إلى الغطاء السياسي والشعبي الذي تمتعت به حروب أميركية سابقة. 

ومع ازدياد الضغوط الاقتصادية والسياسية، يبدو أن الطريق نحو التفاوض والتسوية بات أكثر واقعية من طريق الحرب، مهما حاول دعاة التصعيد تأخير هذا الاستحقاق.

Post Author: SafirAlChamal