وقائع الميدان تسقط بروباغندا جيش الروبوت.. قلعة الشقيف نموذجاً.. وسام مصطفى

بات الميدان العسكري في جنوب لبنان محكومًا بمعادلتين متناقضتين: معادلة الحقيقة اللاهبة التي تفرضها المقاومة الإسلامية عبر توثيق عملياتها الحيّة بالصوت والصورة، ومعادلة الوهم والبروباغندا التي يحاول جيش العدو الإسرائيلي تسويقها لجمهوره الداخلي المحبَط.

وفي ظل التأثير النفسي البالغ والمستمر الذي أحدثته الاشرطة المصوّرة للمقاومة في وعي المستوطنين داخل كيان الاحتلال، ولا سيما مستوطني الشمال الذين يعيشون انعدامًا كاملًا للأمن، اندفع جيش العدو بكل ثقله العسكري والإعلامي للبحث عن “صورة انتصار” ساحق. 

صورة يروّج لها كإنجاز استراتيجي علّها تسكّن روع مستوطنيه المذعورين وتُرمم كبرياء المؤسسة العسكرية المتهاوية.

ضمن هذا السياق النفسي والسياسي، تحوّلت “قلعة الشقيف” التاريخية إلى هدف رئيسي للعدو، فالقلعة التي تبعد عن الحدود اللبنانية الفلسطينية حوالي ٤ كيلومترات فقط، تحمل رمزية تاريخية وجغرافية فائقة الأهمية، فالإيحاء بالسيطرة عليها يعني تقديم جرعة تخديرية للمجتمع الإسرائيلي.

بيد أن وقائع الميدان، كما صاغها بيان غرفة عمليات المقاومة الإسلامية، كشفت الهوة السحيقة بين الصورة الفوتوغرافية والواقع العسكري. 

فعلى مدى أكثر من خمسة أيام متواصلة، شنّ العدو سلسلة من الاعتداءات الجوية العنيفة والقصف المدفعي المكثف والمركز على بلدة يحمر الشقيف والقرى المحيطة بها، متبعًا سياسة تدميرية شاملة لتأمين تقدم قواته، وما إن حاولت الآليات والجنود التقدم باتجاه أطراف البلدة الجنوبية، حتى جوبهت بمقاومة بطولية شرسة ونيران كثيفة ومخططة ما أجبر العدو على الانكفاء، ممتنعًا عن دخول البلدة، ومكتفيًا باللجوء إلى الأطراف الشرقية. واستغلّت مجموعة مشاة إسرائيلية وقت الغروب وفي ظل غطاء دخاني كثيف، لتتسلّل عبر مسارات غير مرئية من الجهة الشرقية للوصول إلى القلعة الخالية تمامًا من أي وجود عسكري للمقاومة. 

التقط الجنود بضع صور تذكارية سارع الإعلام العبري إلى بثها كإعلان نصر زائف، لكن سرعان ما تبخّر هذا “الانتصار الاستعراضي” عسكريًا؛ فالعدو ما يزال يواجه صعوبة بالغة في تثبيت قواته في محيط القلعة، وتحوّلت قواته إلى صيد ثمين في معركة استنزاف قاسية تخوضها المقاومة بنبض هادئ.

 

وأمام العجز المشهود في المواجهة المباشرة “رجلًا لرجل”، طوّر العدو الإسرائيلي تكتيكاته العسكرية محاولًا الاعتماد المفرط على التكنولوجيا المتقدمة وتقنيات الذكاء الصناعي وأنظمة التحكم عن بُعد، وتحوّلت أرض المعركة في الجنوب إلى حقل تجارب لما يمكن تسميته بـ”الحرب السيبرانية- الميكانيكية الميدانية”، حيث لجأ العدو إلى خطوات عدة أهمها:

أولا: أتمتة سلاح البر: عبر تحويل الآليات المدرعة، وناقلات الجند، والجرافات العسكرية العادية إلى “روبوتات حديدية” مسيّرة تسير دون طواقم بشرية في الخطوط الأمامية. وتهدف هذه الآليات اللاسلكية إلى استكشاف الكمائن، وفتح الطرقات، وتفكيك العبوات الناسفة دون تعريض حياة الجنود للخطر المباشر.

 ثانيا: منصات النار الذكية: عبر نشر منصات مدفعية ورشاشة ثقيلة تعمل وفق مبدأ التحكم عن بُعد والذكاء الصناعي، حيث تقوم برصد التحركات آليًا وإطلاق النار بكثافة وفق خوارزميات استشعار حرارية وبصرية.

ثالثا: الإسناد الجوي المطلق: تفعيل سلاح الجو الحربي والمسيّر بشكل مكثّف ودائم ومستمر على مدار الساعة، بحيث لا تفارق الطائرات أجواء العمليات، مشكّلةً مظلة نارية غير منقطعة تحاول عزل الميدان وحظر الحركة على مقاتلي المقاومة.

ما هي الأهداف الاستراتيجية الكامنة وراء الاندفاعة التكنولوجية!؟ إن اللجوء الإسرائيلي الكثيف إلى هذه الترسانة التكنولوجية وأسلوب التدمير الأعمى لم يكن ترفًا عسكريًا، بل أملته مجموعة من الأهداف الاستراتيجية والمآزق الميدانية الحادة، وابرزها:

أ- الإمعان في سياسة الأرض المحروقة، حيث يواصل العدو تطبيق عقيدته التدميرية عبر تسوية القرى والبلدات المحاذية للحدود بالأرض. ويهدف هذا السلوك الهمجي إلى مسح المعالم الجغرافية، وحرمان المقاومة من أي بيئة جغرافية أو عمرانية يمكن الاستناد إليها في عمليات الدفاع أو الهجوم، مع تحويل القرى إلى مناطق غير قابلة للحياة البشريّة.

ب – تقليص النزف البشري الحرج، ويمثل هذا الهدف الهاجس الأكبر للقيادة العسكرية والسياسية في تل أبيب؛ فمنذ استئناف عمليات المواجهة في الثاني من آذار الفائت، تكبّد جيش العدو خسائر بشرية فادحة في الأرواح والإصابات نتيجة الكمائن المحكمة والضربات الدقيقة للمقاومة. وقد وصلت هذه الخسائر إلى مستوى حرج لم يعد المجتمع الصهيوني قادراً على تحمله أو استيعابه، مما دفع الجيش للاستعاضة عن العنصر البشري بالآلات والروبوتات في النقاط الأكثر خطورة.

ج – فرض واقع ضمن ما يسمّى “الخط الأصفر” والانتصار الدعائي، حيث يسعى الاحتلال بكل قوته إلى خلق واقع ميداني جديد وقضم مساحات جغرافية ضمن نطاق هذا الخط، مع محاولة تسجيل نقاط إضافية بالتوغل إلى ما وراء مجرى نهر الليطاني. وهذا التوغل لا يهدف إلى التثبيت العسكري المستدام بقدر ما يرمي إلى صناعة مادة إعلامية دسمة، وتسجيل انتصارات دعائية ترفع معنويات الجبهة الداخلية المنهارة، وتوحي بأن الجيش يحقق تقدمًا ملموسًا على الأرض.

 

وفي مقابل الهالة الإعلامية التي يحيط بها العدو عملياته، تكشف المعطيات الميدانية واللوجستية صلب الواقع العسكري الذي يعيشه، ومن أبرز المؤشرات في هذا السياق تخفيض التواجد العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان من خمس فرق عسكرية كاملة إلى فرقتين فقط. ولعل هذا التراجع العددي الحاد وحجم الانكفاء للاستعاضة عن الحشود البشرية بالجهد الناري والتكنولوجي يحمل في طياته اعترافًا إسرائيليًا بعدم القدرة على توسيع دائرة الاحتلال أو التثبيت في المناطق التي جرى التوغل إليها. 

وتعود أسباب هذا العجز والتقلص إلى جملة من الحسابات المعقدة والمآزق المتشابكة أهمها:

 – التخفيف من الخسائر البشرية الفادحة والأكلاف المادية والمعنوية، فقد أدركت القيادة الصهيونية أن البقاء في نقاط التوغل المتقدمة يحوّل جنودها ونخبة ألويتها إلى أهداف يومية، فالاستنزاف المستمر لم يذهب بالأرواح والآليات الفوق متطورة فحسب، بل ضرب الروح المعنوية للجيش في الصميم، وعمّق من الشرخ الاقتصادي والاجتماعي داخل الكيان الذي بات يئن تحت وطأة كلفة حرب بلا أفق عسكري واضح.

-العجز عن تسييل الميدان إلى معادلة سياسية، ويكمن الإخفاق الأكبر للاحتلال في عدم قدرته على استثمار أي من نتائجه الميدانية الموضعية أو “انتصاراته المصوّرة” في إرساء معادلة سياسية أو أمنية جديدة تكبل يد المقاومة أو تفرض عليها شروط الإذعان. 

وقد فشلت الآلة الحربية في انتزاع استسلام استراتيجي، وبقيت عاجزة عن فرض شروطها بقوة السلاح على معادلات الصراع الثابتة.

– الرهان على كواليس “الدبلوماسية”، فأمام هذا الانسداد الميداني، يبدو أن العزم الإسرائيلي بات معقودًا بالكامل على خلاصة المفاوضات الهزيلة التي يجريها الجانب اللبناني الرسمي مع العدو في أروقة البنتاغون الأمريكي، إذ يحاول الاحتلال، عبر الضغط الدبلوماسي الأمريكي الالتفاف على عجزه العسكري، مستغلاً الأداء التفاوضي الضعيف للجانب اللبناني، لتحقيق ما عجزت فرقه العسكرية الخمس عن انتزاعه في جبال الجنوب ووديانه، وتحويل التنازلات السياسية المحتملة إلى حبل نجاة لمأزقه الميداني.

 

في المحصلة، تُثبت معركة “قلعة الشقيف” ومحيطها أن اعتماد العدو للتكنولوجيا والهروب إلى توهّم الانتصارات الرقمية يسقطان أمام استراتيجية الاستنزاف الطويل والنفس الهادئ الذي تدير به المقاومة الدفة الميدانية، كما أن محاولات العدو للاستعاضة عن العجز البشري بالروبوتات، والتعويض عن الفشل العسكري بالرهان على تسويات مشبوهة في أروقة القرار الأمريكي، لن تغير من حقيقة الميدان شيئًا.

إن وقائع التاريخ القريب والبعيد، ومجريات المواجهة الراهنة، تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك، أن المقاومة ستبقى هي الخيار الأوحد، والضمانة الفعالة والثابتة لاستعادة سيادة لبنان الكاملة وحماية استقلاله، وصون كرامة أرضه وشعبه في وجه أطماع الاحتلال ومناوراته السياسية والعسكرية على حد سواء.

Post Author: SafirAlChamal