خلفها “مليار مسلم” وأمامها “قبة فولاذية”: كيف تحصّن الكاريزما والردع الاستباقي أمن الأناضول؟.. بقلم: إيمان درنيقة الكمالي

يمر الشرق الأوسط اليوم بحالة من “السيولة الأمنية الشاملة”؛ حيث تتآكل الحدود التقليدية، وتتحول المواجهات الموضعية في غزة ولبنان وإيران إلى زلزال جيوسياسي باتت ارتداداته تهدد العمق التركي.

إننا أمام دولة “شرسة” تصرح قياداتها علانية بأن “الدور سيأتي على تركيا”، ما يضعنا أمام تساؤلات جوهرية: لماذا تختلف تركيا في هذا الصراع عن باقي الدول الإقليمية؟ وكيف تستعد عملياً لمواجهة استحقاقات الصدام المحتمل؟

تستند تركيا في مواجهة هذه التهديدات إلى ركائز استراتيجية تضعها في مصاف القوى العالمية؛ فهي تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف “الناتو”، واستقلالاً تقنياً دفاعياً متطوراً، لاسيما في مجال الصواريخ والمسيرات، مما يحول فكرة استهدافها إلى انتحار استراتيجي. وفي سبيل استدامة هذا الزخم الدفاعي، اتجهت أنقرة لبناء شراكات عسكرية وازنة مع السعودية ومصر، تهدف لتقاسم الأعباء التقنية والمادية وتأمين العمق الإقليمي.

أما الجوهر الحقيقي لهذا التمايز فيكمن في “الرصيد الأخلاقي”؛ فبينما تورطت أطراف إقليمية في نزاعات دموية وصراعات طائفية لوثت تاريخها، حافظت تركيا على عمقها الإنساني وأيدٍ نظيفة من دماء الأبرياء، ولا تزال ذاكرة الشعوب — لاسيما الشعب السوري — حية تجاه من أجرم بحقها ومن وقف معها. وبناءً على ذلك، فإن أي تصادم مباشر بين إسرائيل وتركيا لن يكون صراعاً حدودياً، بل قد يحول “مليار مسلم” في ليلة واحدة إلى “أتراك” في ولائهم، حيث تتجاوز المسألة حدود القومية لتصبح قضية حضارة وإنسانية وعقيدة. إن هذه القوة الناعمة هي التي تجعل إسرائيل تفكر ألف مرة قبل الانزلاق في أي استفزاز تجاه أنقرة.

وخلافاً للتصورات التي تحصر الصراع في الإطار العربي الإسرائيلي، تدرك أنقرة أن شرارة المعركة تقترب من حدودها؛ إذ إن المسافة التي تفصل القواعد الإسرائيلية عن العاصمة التركية هي فعلياً أقصر من تلك التي تفصلها عن طهران؛ ما يضع الأمن القومي التركي في المرمى المباشر للقوة الجوية الإسرائيلية وقدراتها الصاروخية. ولا يتوقف الخطر عند الحدود، بل يمتد ليشمل خارطة تحالفات تضيّق الخناق على المصالح التركية في شرق المتوسط والقوقاز، مما يضع الطرفين في مسار تصادمي حتمي على مناطق النفوذ والسيطرة.

وبناءً على الدروس الاستراتيجية العميقة التي استخلصتها أنقرة من المواجهة الإيرانية – الإسرائيلية، أعادت تركيا صياغة عقيدتها الدفاعية لترتكز على “الردع الاستباقي”؛ فسارعت لامتلاك منظومات “فرط صوتية” كـ “تايفون”، وشيدت “القبة الفولاذية” لتأمين المجال الجوي الوطني. هذا التحصين التقني امتد للأرض عبر “قلاع حدود صاروخية” محصنة ضد التسلل والعمليات الهجومية والهجرة غير المنظمة، إضافة إلى تحصين الجبهة الداخلية بشبكة ملاجئ شاملة في الولايات الـ 81، هذا وبالتوازي مع تعزيز السلم المجتمعي والمصالحات الوطنية، وأهمها ملف المصالحة مع المكون الكردي، لضمان تماسك الدولة وسط أمواج الصراعات المتزايدة.

تتجلى “البراغماتية التركية” اليوم في أبهى صورها عبر تقديم المصالح الاستراتيجية العليا للمنطقة على الانفعالات اللحظية؛ وهي سياسة تهدف بالأساس إلى قطع الطريق على محاولات نتنياهو تسويق تركيا كـ “فزاعة إقليمية” لاستقطاب الدول العربية. فبينما يسعى الخطاب الإسرائيلي لتصوير أنقرة كتهديد “عثماني” موازٍ لشرعنة وجود إسرائيل كـ “صمام أمان” وحليف ضروري للعرب، جاء الرد التركي بتبني رؤية واقعية توازن بين الموقف المبدئي والضرورات الجيوسياسية، وهو ما فسر استمرار الروابط التجارية لفترة بعد أحداث 7 أكتوبر قبل تقييدها كأداة ضغط مدروسة، لسد كافة الذرائع أمام القوى التي تستثمر في الخلافات البينية.

ويتسق هذا النهج مع عودة قوية لاستراتيجية “تصفير المشاكل” بنسختها الواقعية الجديدة، حيث تدرك أنقرة أن ترميم العلاقات مع القوى الإقليمية كالسعودية ومصر والإمارات هو السبيل الوحيد لإسقاط مشروع “الفزاعة” الإسرائيلي. إن هذا السعي التصالحي يهدف إلى تحويل المنطقة من ساحة للصراعات الجانبية التي يغذيها الآخرون، إلى كتلة متماسكة تدرك “وحدة مصيرها” وتستطيع حماية أمنها القومي واستقلالها السياسي بعيداً عن سياسات التخويف والتمزيق الاستعمارية.

في الختام، في ظل الديناميكيات المعقدة التي تعصف بالشرق الأوسط، أثبتت أنقرة أن قوتها لا تختزلها الترسانة العسكرية فحسب، بل تغذيها الكاريزما التركية وبراغماتيتها العالية في الموازنة بين الردع التقني والعمق الحضاري. ومع كل ما تبذله تركيا من جهود استباقية لتحصين جبهتها، يبقى اليقين بأن مواجهة الأخطار الوجودية لا تكتمل بجهود منفردة؛ إذ إن الحل المستدام لا يكمن إلا في إرساء نواة لـ “كومنولث إقليمي” مشرقي، يجمع القوى المركزية في كتلة جيوسياسية صلبة، تنتزع زمام المبادرة وتضع حداً نهائياً لعصر الاستفراد، لترسم للمنطقة قدراً جديداً من السيادة المطلقة والاستقلال الاستراتيجي العابر للحدود.

فهل نترقب ولادة هذا الكومنولث المشرقي كضرورة وجودية تفرضها الجغرافيا، أم أن عوائق التاريخ ستظل أقوى من ضرورات المستقبل؟.. 

الكاتبة: إيمان درنيقة الكمالي 

أستاذة جامعية – باحثة سياسية

 

 


 

Post Author: SafirAlChamal