لم تعد الضغوط الأميركية على لبنان تقتصر على فرض الشروط تحت شعارات “دعم الاستقرار وبسط سلطة الدولة”، بل باتت تتخذ منحى فضائحيًا، يقوم على التدخل المباشر في الشؤون الداخلية ومحاولة توجيه الخيارات الوطنية بما يخدم المصالح الأميركية والإسرائيلية، ولو على حساب السيادة والكرامة الوطنية والمؤسسات الدستورية.
استضافة السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى أكثر من عشرين نائباً في السفارة الأميركية، في لقاء أشارت المعلومات إلى أنه يهدف إلى جسّ نبض الكتل النيابية وإقناع النواب بتبنّي مشروع قانون لإلغاء قانون مقاطعة إسرائيل، لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد لقاء دبلوماسي عادي، خصوصا أن الأمر يتعلق بقانون لبناني نافذ، وبخيار وطني راسخ لدى شريحة واسعة من اللبنانيين الرافضين التطبيع مع عدو لا يزال يحتل أجزاء من الأرض اللبنانية، ويواصل اعتداءاته وعمليات القتل والتدمير والتجريف، ويهدد بتوسيع عدوانه مجدداً.
قانون مقاطعة إسرائيل، الصادر في 23 حزيران 1955، ليس تفصيلاً تشريعياً يمكن شطبه بإشارة أميركية أو تحت وطأة الضغوط الخارجية، بل هو تعبير عن موقف وطني ارتبط بالصراع التاريخي مع إسرائيل وحقوق لبنان في مواجهة الاحتلال والاعتداءات.
وإذا كان تعديل القانون أو إلغاؤه من صلاحيات المؤسسات الدستورية اللبنانية وفق الأصول، فإن محاولة التأثير على النواب لدفعهم إلى هذا الخيار تطرح سؤالاً أساسياً عن حدود الدور الدبلوماسي الأميركي، وعن حق واشنطن في التعامل مع القوانين اللبنانية وكأنها ملفات تخضع لإدارتها المباشرة.
وما يضاعف من الاستفزاز هو عدم تنفيذ إسرائيل أي بند من بنود اتفاق الإطار الذي يجري التمسك به لبنانياً ودولياً.
وفي المقابل، يُطلب من لبنان التخلي عن قانون يجرّم التعامل مع إسرائيل، فيما لا تمارس الولايات المتحدة ضغطاً على حليفتها لإنهاء احتلالها ووقف اعتداءاتها!..
يبدو واضحا أن واشنطن تتعامل مع لبنان بمنطق الوصاية الهادفة إلى تحقيق مصالح العدو، فهي تضغط لتعديل خياراته التشريعية والسياسية، وترفض في الوقت نفسه الاستجابة للمطلب اللبناني الجامع المتعلق بالتمديد لقوات اليونيفيل، وتعطل توفير الدعم المطلوب للجيش اللبناني بما يعزز قدراته ويساعده على أداء المهام الملقاة على عاتقه.
يكشف هذا السلوك أن الحديث الأميركي عن سيادة لبنان وتقوية مؤسساته يبقى انتقائياً، يُستحضر عندما يخدم المصالح السياسية لواشنطن، ويُهمَل عندما يتعارض مع حسابات إسرائيل. في حين أن المطلوب من لبنان أن يقدّم التنازلات، بينما تبقى إسرائيل بمنأى عن أي ضغط جدي يجبرها على الانسحاب من الأراضي المحتلة ووقف اعتداءاتها.
ويتجلّى هذا النهج أيضاً في موقف وزارة الخارجية الأميركية من الدعوى القضائية بحق سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوّض.. إذ استنكرت الوزارة تلك الإجراءات، معتبرة أن المهمة الموكلة إليها تتوافق مع الأحكام الدستورية.
لكن من أعطى واشنطن حق إصدار الأحكام في نزاع يتعلق بمسؤولية موظفة في الدولة اللبنانية وخضوعها للقوانين والأنظمة المرعية؟ وهل أصبحت المؤسسات الأميركية مرجعاً يحدد ما يتوافق مع الدستور اللبناني وما يخالفه، فيما يفترض أن يبقى الفصل في هذه المسائل من اختصاص السلطات اللبنانية والقضاء المختص؟
سبق للرئيس الأميركي دونالد ترامب أن أعرب، في نيسان الماضي، عن استغرابه من وجود القانون اللبناني الذي يجرّم التواصل مع إسرائيل، متعهداً بالعمل على إلغائه. واليوم، يبدو أن هذا التوجه ينتقل من التصريحات إلى محاولة استكشاف المواقف النيابية والضغط على القوى السياسية داخل لبنان، بما يستدعي موقفاً واضحاً من الكتل النيابية دفاعاً عن استقلالية القرار الوطني وحق اللبنانيين في تحديد خياراتهم بعيداً عن الإملاءات الخارجية.
يُفترض أن لا يكون لبنان ساحة لتعديل قوانينه وفق الرغبات الأميركية والاسرائيلية، ولا أن يكون شعبه ملزماً بالتنازل عن خياراته الوطنية أمام الغطرسة الاسرائيلية، وإذا كانت واشنطن جادة في دعم الدولة اللبنانية، فعليها أن تبدأ بإلزام إسرائيل بوقف اعتداءاتها والانسحاب من الأراضي المحتلة، لا بمطالبة لبنان بالتخلي عن قوانينه وأوراق قوته. فالسيادة لا تتجزأ، ولا يمكن أن تكون مطلباً من لبنان وامتيازاً لإسرائيل.
Related Posts








