كيف غيّرت المسيّرات من قواعد الإشتباك في جنوب لبنان؟.. غسان ريفي

تشير التطورات الميدانية الأخيرة في جنوب لبنان إلى تحوّل نوعي في طبيعة الصراع على الجبهة الشمالية، حيث تتآكل تدريجيًا قواعد الاشتباك التقليدية التي لطالما منحت الجيش الإسرائيلي هامش تفوق ميداني واضح.

لم تعد المواجهة القائمة محكومة فقط بعناصر القوة الكلاسيكية من تفوق جوي وناري، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا تتقدم فيها أدوات الحرب غير المتكافئة، وعلى رأسها الطائرات المسيّرة الانقضاضية التي أجبرت الجيش الإسرائيلي خلال الساعات الماضية الى التراجع والإنسحاب من بعض البلدات الجنوبية.

هذا التحول يعكس نجاح المقاومة في إعادة صياغة بيئة القتال، من خلال نقل المعركة إلى مستوى استنزافي يحدّ من قدرة الجيش الإسرائيلي على المناورة ويضعه أمام تهديد دائم منخفض الكلفة وعالي الفعالية.

وفي هذا السياق، لا يبدو الانسحاب الإسرائيلي مجرد إجراء ميداني مؤقت، بل يحمل دلالات أعمق تتصل بإعادة تقييم شاملة للعقيدة العسكرية في مواجهة تهديدات مرنة يصعب احتواؤها بالوسائل التقليدية.

وتتضح معالم هذا التحول عبر مجموعة من الوقائع الميدانية أوردتها وكالة “يونيوز”، التي أكدت في تقرير ميداني لها أن “الجيش الإسرائيلي بدأ فعليًا بسحب وحدات قتالية من جنوب لبنان بعد نحو أسبوعين من هجمات متواصلة نفذتها المقاومة عبر طائرات مسيّرة انقضاضية، في خطوة تعكس تأثرها المباشر بتصاعد هذا النمط من العمليات”.

وبحسب الوكالة، فقد “شمل الانسحاب قيادتي الفرقتين 98 و168، اللتين نُقلتا إلى المستوطنات الشمالية، بالتوازي مع سحب ألوية ميدانية بارزة مثل “نحال والمظليين والكوماندوز والنقب”، وهي وحدات كانت تتولى مهام السيطرة على مناطق أساسية كبلدة الخيام ومدينة بنت جبيل”.

وتشير الوكالة إلى أن “تقديم الجيش الإسرائيلي تبريرا لهذا الانسحاب، يُظهر حجم التحدي المستجد، إذ أقرّ بوصوله إلى ما وصفه بـ”سقف زجاجي” ميداني، مع تزايد خطر تحوّل قواته إلى أهداف ثابتة وسهلة لهجمات المسيّرات، كما تعكس التقديرات داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية اعترافًا ضمنيًا بأن حزب الله نجح في تغيير قواعد الاشتباك، بما يفرض ضرورة تعديل الاستراتيجيات المعتمدة على هذه الجبهة”..

في المقابل، تفيد المعطيات الواردة في تقرير وكالة “يونيوز” أن “حزب الله راكم قدرات كبيرة في مجال الطائرات المسيّرة، خصوصًا من نوع FPV الانقضاضي، حيث يُقدَّر امتلاكه عشرات الآلاف منها، ما يمنحه قدرة عالية على تنفيذ عمليات استنزاف مستمرة، وقد تُرجم ذلك ميدانيًا عبر تنفيذ عشر عمليات عسكرية خلال يوم واحد، استخدمت فيها أسراب من هذه الطائرات، إلى جانب الإعلان عن إسقاط طائرة إسرائيلية من طراز “هرمس 450″.”

أمام هذه الوقائع لم يتمكن الجيش الإسرائيلي من إخفاء عدد الإصابات التي لحقت بجنوده، جراء هذه الهجمات، ما يعكس الأثر المباشر لهذه الوسائل القتالية، وتُبرز حجم القلق داخل الأوساط العسكرية الإسرائيلية من تنامي تهديد المسيّرات، خاصة في ظل الإقرار بعدم وجود حلول دفاعية فعالة كافية لمواجهتها حتى الآن.

لذلك، تكشف هذه التطورات عن انتقال الصراع إلى مرحلة جديدة، تتراجع فيها فعالية التفوق العسكري التقليدي أمام أدوات مرنة وقليلة الكلفة، قادرة على فرض معادلات ردع واستنزاف مستدامة، ما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل موازين القوة على المدى المتوسط في هذه الجبهة الحساسة.

 

 



Post Author: SafirAlChamal