في كل مرة تقترب فيها الحرب الإيرانية الأميركية من حافة الاشتعال، تتراجع الخرائط قليلاً إلى الخلف، وكأنها تفسح المجال أمام ظلّ أكبر من الجغرافيا نفسها. فالمسألة ليست صواريخ تعبر السماء فقط، بل ربما هي سماء تبحث عن صواريخ تبرر وجودها، أو وجود الذين ينظرون إليها من خلف الشاشات الزرقاء التي تُشبه البحر حين يغضب من اليابسة ولا يجد ما يكفي من الموانئ.
تقول بعض التحليلات إن التوتر بين الطرفين يعود إلى تضارب المصالح في المنطقة، لكن المنطقة نفسها تبدو أحياناً وكأنها ليست موجودة إلا لكي تتضارب فيها المصالح. فإيران التي تتقدم إلى الخلف، والولايات المتحدة التي تنسحب نحو الأمام، تلتقيان في منتصف الطريق الذي لا يعرف أحد إن كان طريقاً أم مجرد انعكاس لطريق آخر رُسم فوق الماء ثم تُرك ليجفّ تحت شمس العقوبات.
ولأن النفط عنصر أساسي في أي حرب لا تقع بالكامل، فإن أسعار الطاقة ترتفع أحياناً قبل أن ترتفع احتمالات المواجهة، وكأن البرميل أكثر حساسية من الإنسان تجاه الخطر. ومع ذلك، فإن الأسواق لا تخاف من الحرب بقدر ما تخاف من غياب الحديث عنها، لأن الاقتصاد العالمي اعتاد أن يتنفس عبر الأزمات، حتى بات السلام حدثاً استثنائياً يحتاج إلى تفسيرات معقدة أكثر من الحرب نفسها.
أما على المستوى العسكري، فإن حاملات الطائرات تتحرك بثبات يوحي بالارتباك، بينما التصريحات الرسمية تتسم بالحزم الذي يشبه التردد حين يُترجم إلى لغات متعددة. وبين المناورات والردود المدروسة والانفعالات المحسوبة، يصبح السؤال الحقيقي: هل الحرب قرار سياسي، أم أن السياسة أصبحت مجرد مرحلة تمهيدية طويلة لحرب مؤجلة لا تريد أن تصل؟
ثمة من يرى أن الصراع عقائدي، وثمة من يراه اقتصادياً، وآخرون يعتبرونه مسرحاً لإعادة توزيع الخوف في الشرق الأوسط. لكن اللافت أن جميع هذه الآراء تتفق على الاختلاف، وتختلف على ما اتفقت عليه، الأمر الذي يجعل الحقيقة أقرب إلى بيانٍ عسكري كُتب على عجل ثم أُعيدت صياغته داخل غرفة أخبار تبحث عن عنوان عاجل لا ينتهي.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه الدبلوماسية عن فرص التهدئة، تتكاثر المؤشرات التي لا تشير إلى شيء محدد. فالمفاوضات السرية تُسرّب إلى العلن، والرسائل العلنية تُرسل بطريقة سرية، بينما المواطن العادي في المنطقة يحاول أن يفهم إن كان عليه أن يقلق من الحرب أم من الأخبار التي تتحدث عنها أكثر مما تتحدث الحرب عن نفسها.
ربما لا تقع الحرب لأن الجميع يخشاها، وربما تقع لأن الجميع اعتاد الحديث عنها. وربما يكون أخطر ما في الأمر أن المنطقة دخلت مرحلة أصبحت فيها الاحتمالات أهم من الوقائع، والتوقعات أكثر حضوراً من الأحداث نفسها. ولهذا، فإن السؤال لم يعد: هل ستندلع الحرب الإيرانية الأميركية؟ بل هل ما نعيشه الآن هو شكل آخر من الحرب التي بدأت منذ زمن طويل، لكنها نسيت أن تعلن عن نفسها رسمياً.




