يستمر الجدل الدائر حول تعيين مدّعي عام التمييز في لبنان، ويتقدّم في هذا الإطار موقف عضو كتلة الجمهورية القوية النائب جورج عدوان، ومعه أداء وزراء “القوات اللبنانية” داخل الحكومة، كعنوان لنقاش سياسي أوسع يتجاوز مسألة الاسم المطروح إلى إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة ممارسة السلطة داخل الدولة، وحدود الدور السياسي عندما يتحول إلى محاولة الاعتداء المباشر على صلاحيات رئيس الحكومة نواف سلام ومجلس الوزراء مجتمعًا.
في هذا الملف، بدا موقف النائب عدوان وكأنه لا يكتفي بإبداء ملاحظات أو طرح أسئلة تتعلق بآلية التعيين، بل يتجه إلى محاولة فرض مسار محدد على القرار الحكومي عبر الدفع باتجاه تأجيل التعيين واستدعاء رئيس مجلس القضاء الأعلى والاستماع إليه بما يتعلق بالأسماء المطروحة قبل حسم الأمر داخل السلطة التنفيذية.
هذا النمط من التعاطي، يعكس مقاربة تتعامل مع القرار الحكومي وكأنه قرار مشترك خارج إطار الصلاحيات الدستورية، بدل أن يكون محصورًا بمسؤولية السلطة التنفيذية ورئيسها.
سلوك عدوان لا يُقرأ بمعزل عن الأداء العام لـ”القوات اللبنانية” داخل الحكومة، حيث تتكرّر المواقف التي تعترض على قرارات أساسية، من التعيينات إلى الملفات المالية والإدارية والخارجية، بما يوحي أحيانًا وكأن هناك محاولة دائمة لإعادة إنتاج القرار الحكومي أو ضبطه من خارج آلياته الدستورية الطبيعية.
وفي هذا السياق، يصبح السؤال مطروحًا حول ما إذا كان الهدف هو التصويب والإصلاح، أم خلق مساحة نفوذ سياسي موازية داخل السلطة التنفيذية لتحقيق مصالح شخصية باستخدام الهيمنة والاستقواء بناءً على ظروف سياسية محددة.
ويزداد هذا الإشكال وضوحًا مع أداء وزير الخارجية يوسف رجي الذي يُسجَّل عليه، وفق متابعين، اتخاذ مواقف وتحركات في ملفات خارجية حساسة تتجاوز أحيانًا الإطار التوافقي العام لسياسة الحكومة. وبعض هذه المواقف يُنظر إليها على أنها لا تنسجم بالكامل مع الخط العام الذي يفترض أن تمثله الحكومة مجتمعة، ما يفتح نقاشًا واسعًا حول مدى الالتزام بمبدأ التضامن الوزاري، وحول حدود المبادرة الفردية داخل موقع يفترض أن يكون جزءًا من القرار الجماعي للدولة.
هذا التباين في الأداء يعزز الانطباع بأن هناك ميلاً لتكريس حضور سياسي قواتي مستقل داخل الحكومة أكثر من الالتزام الصارم بموقفها الموحد.
تتقاطع هذه الممارسات، سواء على مستوى الخطاب السياسي للنائب عدوان أو على مستوى أداء بعض الوزراء عند نقطة واحدة، وهي محاولة توسيع هامش التأثير السياسي داخل السلطة التنفيذية على حساب وضوح الصلاحيات الدستورية.
وهذا ما يؤدي عمليًا إلى إضعاف مركز القرار الحكومي بدل تعزيزه، ويخلق حالة من التداخل بين منطق الدولة ومنطق القوى السياسية داخلها.
خطورة هذا النهج لا تكمن فقط في اختلاف وجهات النظر، بل في تحوّل الخلاف السياسي إلى آلية دائمة لإعادة تشكيل القرار التنفيذي من داخل الحكومة نفسها، ما يضعف قدرة رئيس الحكومة على ممارسة دوره الطبيعي في إدارة السلطة التنفيذية، ويحوّل العمل الحكومي إلى ساحة تجاذب مستمر بدل أن يكون مساحة قرار موحد ومسؤول.
ترى مصادر سياسية متابعة أن “رئيس الحكومة نواف سلام، الذي يصر على بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها وامتلاك قرار السلم والحرب وحصر السلاح بيدها، مدعوّ إلى اتخاذ موقف حازم في مواجهة السلوك القواتي الذي جسّده رئيس لجنة الإدارة والعدل النيابية جورج عدوان، والذي يُفترض أن يُدرك حدوده كنائب في إطار دوره الرقابي.
وتشدد هذه المصادر على “ضرورة أن يضع الرئيس سلام حدًا للتدخل في صلاحياته حفاظًا على هيبة رئاسة الحكومة”.






