كلما أمعنت إسرائيل في خرق وقف إطلاق النار بشكل يؤدي الى استئناف الحرب، كلما وجدت السلطة اللبنانية نفسها في موقع لا تُحسد عليه، بعدما كسرت المحرمات وتجاوزت القوانين وسارعت الى واشنطن لعقد لقاءين مباشرين مع العدو الصهيوني من دون أن تحصد منهما أي نتائج إيجابية.
أعطى الرئيس دونالد ترامب في اللقاء الثاني العدو وبشكل رسمي حرية الحركة في لبنان من دون حسيب أو رقيب، أما “الحذر” الذي دعا إسرائيل الى إعتماده فسقط في الساعات الـ24 الأولى بإرتقاء أكثر من عشرة شهداء جراء الغارات الصهيونية على الجنوب.
لا شك في أن التمادي الاسرائيلي سيواجه برد من حزب الله الذي ينفذ سلسلة عمليات عسكرية ضمن هذا الإطار، ما قد يؤدي الى سقوط هذه الهدنة في أي لحظة، وهي بالأساس لم تكن جدية، بل جاءت كغطاء وهمي للتواصل اللبناني ـ الإسرائيلي والذي لم يتعد التقاط الصور ودفع لبنان نحو مزيد من التنازلات.
أمام هذا الواقع، تبدو الكرة في ملعب الولايات المتحدة التي إما أن تُجبر إسرائيل على وقف صريح لإطلاق النار ومن دون خروقات وتتراجع عن منحها حرية الحركة التي تستخدمها لاستمرار عدوانها، وإما أن تضاعف من إحراج السلطة اللبنانية الموضوعة في قفص الاتهام بعدما فشلت في الحصول على أية مكاسب أو ضمانات أميركية لمنع إسرائيل من تنفيذ مخططاتها، من الاستمرار في التدمير وقتل المدنيين إلى فرض المنطقة العازلة التي تزداد مساحتها في ظل الهدنة الهشة.
يبدو واضحا أن كثيرين يحاولون لفت نظر السلطة اللبنانية إلى أن أميركا نصبت لها فخًا جديدًا، سواء بالورقة الصادرة عن وزارة الخارجية الأميركية التي فُرضت عليها من دون مناقشتها أو الموافقة عليها، أو بتأكيد ترامب على إلغاء قانون العداء لإسرائيل والتشديد على حقها في الدفاع عن نفسها، أو بعدم اعطاء لبنان أية حقوق، لا على صعيد الدفاع عن نفسه ولا على صعيد الانسحاب الإسرائيلي من أراضيه، ما يجعله مستباحا أمام العدو.
وجاء الحراك العربي الأخير سواء من المملكة العربية السعودية أو من جمهورية مصر العربية للتخفيف من الإندفاعة اللبنانية تجاه أميركا وتلبية رغباتها في التفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي، في ظل الإنقسام اللبناني الخطير وإستمرار الغطرسة الإسرائيلية والتمادي في العدوان.
وتشير المعلومات الى أن الحراك العربي يهدف الى منع لبنان من السقوط في إتفاق 17 أيار جديد، لمصلحة تطبيق إتفاق الطائف الذي يمنح السلطة حق بسط سلطتها على كامل أراضيها وحصرية السلاح في يدها، لكن بعد الإنسحاب الإسرائيل الكامل، وهذا ما لا يتوفر في ما يُحضر من إتفاقات جديدة ومنفردة، ويخرق في الوقت نفسه سقف المبادرة العربية التي جددت قمة الرياض مؤخرا الإلتزام الكامل بها، فضلا عن تأكيد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أن “لا تطبيع أو سلام مع إسرائيل ما لم يُعط الفلسطينيون حقهم في إقامة دولتهم”.
وفي الوقت الذي يقع فيه لبنان فريسة بين فكيّ أميركا وإسرائيل، ثمة محاولات من الطرفين لتصديع الجبهة الداخلية وإشعال فتنة تريح الجانب الصهيوني، ولعل بنود ورقة الخارجية الأميركية وما تضمنه تصريح ترامب في اللقاء الثاني كله يصب في إطار الفتنة التي لا يتوانى بعض الداخل من النفخ في بوقها ترجمة لإلتزامات وأجندات بدأت الأقنعة تتساقط تباعا عنها.






