الموت المؤجل: بين الألغام والحق في استعادة الأرض آمنة.. بقلم: د. رنا الجمل

في شهر نيسان من كل عام (اليوم الدولي للتوعية بخطر الألغام) يقف لبنان امام واحدة من اكثر المآسي صمتا واستمرارا وهي مأساة الألغام الأرضية والذخائر العنقودية التي تواصل حصد الأرواح حتى بعد ان تضع الحرب أوزارها..

هذه المناسبة ليست مناسبة دولية عابرة بل هي تشكل تذكيرا لنا بأن الحرب لا تنتهي دائما مع توقف القصف بل تبقى كامنة تحت التراب لتحصد ضحايا جدد.

اليوم وفي ظل التصعيد العسكري المستمر في جنوب لبنان يعود ملف الألغام والذخائر العنقودية الى الواجهة من جديد بعدما تحولت مساحات واسعة من الاراضي الزراعية والطرقات والبلدات الحدودية الى مناطق محفوفة بالموت تهدد المدنيين في امنهم وحياتهم وحقهم الطبيعي في العودة الى منازلهم وأرزاقهم.

الالغام المضادة للأفراد والذخائر العنقودية هي ادوات قتل ممتدة زمنيا وهي لا تفرق بين مقاتل ومدني ولا بين زمن الحرب وزمن السلم، فالطفل الذي يلهو في الحقل والمزارع الذي يعود الى ارضه والمرأة التي تزرع، جميعهم قد يصبحون ضحايا لموت مؤجل..

المجتمع الدولي اعتمد عددا من الاتفاقيات الدولية الهادفة للحد من هذه المأساة، أبرزها:

١-اتفاقية حظر الألغام المضادة للأفراد لعام ١٩٩٧.

٢-اتفاقية حظر الذخائر العنقودية لعام ٢٠٠٨.

٣-اتفاقية بعض الأسلحة التقليدية. 

وفي عام ٢٠١٩ و في اطار الجهود الدولية المبذولة و بمساعدة بعض الشركاء و غيرهم، أطلق الأمين العام للأمم المتحدة حملة دولية بعنوان”أرض آمنة”

استمرت خمس سنوات تحت شعار “تحويل حقول الألغام الى ملاعب” هذه الحملة تجسّد حق الانسان في استعادة أرضه من الموت.

هذه الجهود القانونية جميعها أحرزت نتائج ملموسة، فانضمت أكثر من ١٦٠ دولة الى اتفاقية حظر الألغام و تم تدمير اكثر من ٥٣ مليون لغم مضاد للأفراد مع تراجع واضح في انتاج هذه الأسلحة واختفاء شبه كامل للإتجار بها..

لكن هذه المأساة لم تنته ولن تنته في ظل الاعتداءات والمواجهات العسكرية المستمرة، فالألغام ما زالت تحرق وتبتر الأطراف وتدمّر سبل العيش وتجبر السكان على هجر الاراضي الزراعية والمراعي في وقت تدفع فيه الظروف الاقتصادية الصعبة بعض الاهالي الى المخاطرة بالعودة الى مناطق ملوثة اصلا..

لبنان لم ينضم رسميا حتى الآن الى اتفاقية حظر الألغام المضادة للأفراد عام ١٩٩٧ مع العلم أنه بدأ بخطوات رسمية للإنضمام إليها خلال العام الحالي ٢٠٢٦، كونه من اكثر الدول تضررا من آثارها،

في المقابل انضم لبنان الى اتفاقية حظر الذخائر العنقودية التي وافق عليها البرلمان اللبناني عام ٢٠١٠، وتشير التقارير اليوم الى ان لبنان ما زال يعاني من آثار واسعة لهذه الأسلحة حيث سجلت مئات الاصابات بين قتلى وجرحى و عدد كبير من الناجين بإعاقات مختلفة.

اليوم هناك مناطق واسعة في الجنوب وفي ظل هذا النزاع المسلح الدائر فيه، ملوثة بالألغام وبقايا الذخائر غير المنفجرة والتي تقتل على دفعات وسوف تقتل حتى بعد انتهاء المواجهات وتحول حياة المدنيين الى حياة محفوفة بالخوف والاعاقة والموت حتى..

شهر نيسان من كل عام يجب ان لا يكون مناسبة عابرة بل ان يكون دعوة صريحة الى السلطات المختصة:

أولا: الى تعزيز ازالة الالغام.

ثانيا: الى التدريب على ابطال الذخائر المتفجرة.

ثالثا: الى الاستفادة من الصناديق المنشأة لتقديم المساعدة في الأعمال المتعلقة بالألغام.

رابعا: الى بناء شراكات مع الجهات المانحة التقليدية وغير التقليدية في المساعدة في الاعمال المتعلقة بالألغام.

خامسا: الى دعم ضحايا الألغام الذين أصيبوا بإعاقة نتيجة هذه الألغام.

ختاما، فإن الحق في الحياة لا يقتصر على النجاة من الحرب بل يشمل الحق في العيش على أرض آمنة لا تخفي الموت تحت ترابها!! فالألغام والذخائر العنقودية لا تنتهك فقط قواعد القانون الدولي الانساني بل تمس جوهر حقوق الانسان في العيش بأمان والتنقل وغيرها..

 

الكاتبة: المحامية الدكتورة رنا الجمل.

أمينة سّر الهيئة الوطنية لحقوق الانسان في لبنان.

 

 

 

 


 

Post Author: SafirAlChamal