يوسف بك كرم مفكر سبق زمانه.. زغرتا تحتضن ندوة لا تشبه غيرها.. حسناء سعادة

في زغرتا، حيث الاسم ليس ذكرى بل جزء من الهوية اليومية، لا تشبه الندوات سواها.

هنا، حين يُذكر يوسف بك كرم، لا يبدأ الكلام من الصفر، بل من ذاكرة حية تحفظ التفاصيل كما تحفظ الصلاة.

التصفيق حاضر، والزغاريد أيضاً، وأحياناً يتقدّم أحد الحاضرين ليصحح تاريخاً او يضيف واقعة، لان في زغرتا سيرة “بطل لبنان” ليست مادة للبحث بل ارثاً متداولاً بين الناس.

لكن، وسط هذا الحضور الكثيف والعاطفي، يبرز سؤال أكثر عمقاً هل نعرف كرم كما يجب؟ هل نعرف فكره، أم نكتفي ببطولته؟.

الندوة التي احتضنها مركز ميلاد الغزال في زغرتا حول كتاب “يوسف بك كرم والفكرة الوطنية اللبنانية” للدكتور إبراهيم شاكر برعاية واشراف نيابة زغرتا اهدن ومؤسسة خادم الله يوسف كرم، لم تكن فقط نشاطاً ثقافياً فحسب بل اطلالة موثقة حول فكر كرم القائد الذي ملأ الدنيا وشغل الناس في عصره وكان متقدماً في طروحاته لحل المشاكل التي يعاني منها لبنان.

منذ اللحظة الأولى لدخول القاعة، بدا واضحاً حجم الإقبال والاهتمام.

وجوه من مختلف الانتماءات، سياسية وروحية وثقافية، رحب بها المونسنيور اسطفان فرنجيه متحدثاً عن اهمية اللقاء في تسليط الضوء على ارث يوسف بك كرم الفكري والوطني.

حول سؤال طرحه القاضي زياد شبيب الذي ادار الندوة عن كيفية ولادة الفكرة الوطنية في لبنان؟ وهل ما زلنا نعيش تداعياتها حتى اليوم؟ انطلقت ندوة شيقة امتدت لساعة ونصف الساعة، ولم تتمحور حول سيرة كرم الذي نعرفه بطلاً شعبياً وقائداً عسكرياً وقديساً غير مطوب حتى الساعة، في نظرنا نحن اهل زغرتا، بل تمحورت حول كرم المفكر السياسي الذي سبق عصره بطرحه إشكاليات لا تزال حتى اليوم في صلب النقاش اللبناني: الهوية، الدولة، العلاقة بين الدين والسياسة، ووحدة المشرق.

المطران جوزيف نفاع أعاد وضع كرم في سياقه الأعمق، لا كشخصية تاريخية فقط، بل كمشروع إيمان ووطنية. “كرم، في رؤيته، لم يكن يقاتل فقط، بل كان يبني فكرة لبنان كأرض رسالة وتعايش، ومحاولة دائمة لتوحيد الصف في مواجهة الانقسامات والتدخلات الخارجية. من هنا، لم تعد دعوى تطويبه مسألة دينية فحسب، بل امتداداً لمسار فكري وروحي متكامل”.

أما البروفسور إميل يعقوب، فذهب أبعد من ذلك، حين رسم صورة كرم كرمز جامع ورجل دولة سبق زمنه، “لم يكن أسير بيئته، بل تجاوزها”، داعياً إلى ا”لمساواة وفصل الدين عن السياسة، وإلى رؤية مشرقيّة أوسع تتخطّى الحدود الضيقة”.

الدكتور إلياس القطّار أضاء بدوره على جرأة الطرح لدى كرم، الذي تحدّث مبكراً عن مفاهيم الدولة المدنية والهوية الوطنية، بل وطرح فكرة كونفدرالية عربية، في زمن لم تكن فيه هذه المفاهيم قد تبلورت بعد. كأن كرم لم يكن ابن عصره فقط، بل سابقاً له.

أما المؤلف الدكتور إبراهيم شاكر، فاختصر المسار بالقول إن كرم لم يكن مجرد قائد، بل صاحب مشروع متكامل، رفض الألقاب العثمانية، وأسّس لمفهوم “الوطن اللبناني” ككيان مستقل، قائم على المساواة وفصل الدين عن السياسة.

بين التصفيق الذي يعبر عن الحب، والكلمات التي تكشف عمق الفكر، اضافت الندوة الى معلومات المشاركين كيفية تفكير يوسف بك كرم الذي يسكن الوجدان الشعبي، لكنه يحتاج أيضاً أن يُقرأ، أن يُفهم، وأن يُعاد تقديمه للأجيال لا كبطل فقط، بل كفكرة حيّة.

في زغرتا، قد يحفظ الناس سيرة كرم عن ظهر قلب، لكن مثل هذه الندوات تذكّر مرة جديدة ان خادم الله اضافة الى بتوليته وقداسته وايمانه هو ايضاً مفكر ورجل دولة من الطراز الرفيع.

ملف دعوى تطويب يوسف بك كرم على ما تسرب من معلومات لـ”سفير الشمال” يسير في أروقة الفاتيكان بخطوات واثقة متأنية بانتظار اعجوبة تُسرّع هذه الخطوات.

 


 

Post Author: SafirAlChamal