الهدنة بالمفهوم الإسرائيلي: إستمرار الحرب!.. عبدالكافي الصمد

عقدت أمس في العاصمة الأميركية واشنطن، الجولة الثانية من المفاوضات بين وفدين رسميين لبناني وإسرائيلي، برعاية أميركية مباشرة، بهدف التوصّل إلى تسوية بين البلدين وفق ما يعلن الرّاعي الاميركي، برغم وجود يقين لدى الطرفين والراعي الأميركي معاً، وأطراف داخلية وخارجية عديدة، بأنّ التسوية المنتظرة ما تزال بعيدة المنال، إنْ لم تكن مستحيلة، في ظلّ الظّروف الراهنة، وأنّ مصيرها لن يكون أفضل من مصير إتفاق 17 أيّار الذي تمّ التوصّل إليه عام 1983، ثم ما لبث أن سقط فور ولادته تحت ضغط الشّارع ونتيجة معارضة سياسية لبنانية واسعة له.

 

أكثر من نقطة ضعف وثغرة تشوب المفاوضات الجارية حالياً بين لبنان وإسرائيل، من أبرزها أنّها تعقد في غياب إجماع داخلي وتوافق وطني، وانقسام حاد بين القوى السّياسية، وكذلك في ظلّ غياب “مظلة” عربية من شأنها أن تحمي أيّ تسوية مقبلة عدا عن أنّ المفاوضات الجارية تجري بينما المنطقة تغلي على وقع الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران، منذ أواخر شهر شباط الماضي، ما يجعل المنطقة برمتها تقف على قارعة الإنتظار إلى حين جلاء المفاوضات الجارية في العاصمة الباكستانية إسلام أباد بين الأميركيين والإيرانيين، حيث ما يزال الغموض والتضارب في المعلومات يشوب تلك المفاوضات.

 

هشاشة مفاوضات واشنطن لا تقف عند هذا الحدّ، فبعد الجولة الأولى التي عُقدت في 14 نيسان الجاري، أعلنت الولايات المتحدة بعدها بثلاثة أيّام، في 17 نيسان الجاري، عن هدنة لمدّة 10 أيّام، قبل أن يتبين أنّ هذه الهدنة كانت حبراً على ورق، وأنّ الطرف الإسرائيلي لم يلتزم بها، بل استمر في عدوانه يومياً، وهو أسفر أمس عن استشهاد 4 أشخاص، إضافة إلى استشهاد الصحافية في جريدة “الأخبار” الزميلة أمال خليل، وأنّ الإلتزام بالهدنة إقتصر على الجانب اللبناني فقط، أيّ حزب الله.

 

وتسرّبت أمس معلومات عن أنّ الوفد اللبناني طالب بتمديد الهدنة شهراً إضافياً، وأنّ هذا الطلب سيترافق بطلبات أخرى من بينها توقّف الإسرائيليين عن الإستمرار في عدوانهم، وعن تفجيرهم وتدميرهم البيوت والمنشآت العامّة والخاصّة، وعدم استهداف المدنيين والإعلامين وفرق الإنقاذ والمنشآت الصحّية والتربويّة وما شابه.

 

لكن لا يبدو التفاؤل كبيراً في تلبية الجانب الإسرائيلي للمطالب اللبنانية، لأنّه حتى لو وافق الطرف الإسرائيلي على ذلك، فإنّ هذه الموافقة لن تكون سوى شكلية، ولن تترجم على أرض الواقع، لأنّ الإسرائيليين لم يعتادوا، ولم يُعهد عنهم، تنفيذ أيّ قرار يوافقون عليه، إذ سرعان ما ينقضونه عند أوّل فرصة، أو يطبّقونه وفق مصالحهم التي تُفرغ أيّ اتفاق يُعقد معهم من مضمونه.

 

ففي 27 تشرين الثاني من العام 2024 وقّعت إسرائيل على اتفاق وقف العدوان بينها وبين حزب الله، بعد حرب بينهما إندلعت إثر عملية طوفان الأقصى التي نفذتها المقاومة في قطاع غزّة في 7 تشرين الأوّل عام 2023، لكنّ برغم هذا الإتفاق إستمرت إسرائيل في خرقه يومياً طيلة نحو 15 شهراً، من غير أن تجدي أيّ ضغوطات أو محاولات ديبلوماسية لوضع حدّ للإعتداءات الإسرائيلية على لبنان، ولم تنفذ إسرائيل أيّ بند من بنوده، التي كان من أبرزها إيقاف إسرائيل عملياتها العسكرية ضد لبنان، وانسحاب جيشها من الأراضي اللبنانية التي تحتلّها في غضون 60 يوماً، وإشراف لجنة مراقبة تعرف بـ”الميكانيزم” على تنفيذ القرار، الذي للمفارقة لم ينفذ منه سوى بند واحد هو إيقاف حزب الله عملياته ضد إسرائيل طيلة الأشهر الـ15 المذكورة، قبل أن تعاود الحرب إندلاعها بين الجانبين مطلع آذار الماضي، وهي حرب لم تتوقف برغم اتفاق تمّ التوصّل إليه في واشنطن قبل 10 أيّام، وحيث لا يتوقع كثيرون أن يكون مصيره أفضل من اتفاق وقف العدوان في العام 2024 وغيره من الاتفاقات.

Post Author: SafirAlChamal