ارتقت الصحافية أمال خليل شهيدة بعدوان غادر نفذه العدو الإسرائيلي الذي يقتل الصحافيين بدم بارد من دون حسيب دولي أو رقيب أممي ليحجب عن العالم جرائمه ووحشيته.
باستشهاد الزميلة أمال خليل لا تنطفئ شعلة، بل تشتعل ألف شعلة.
يرحل الجسد، لكن الكلمة التي نذرت نفسها لها تبقى، لتتردد في فضاء الجنوب، وفي ذاكرة كل من عرف معنى أن يكون الإعلام موقفًا لا مهنة، ورسالة لا وظيفة.
كانت أمال خليل صوت الجنوب الصارخ الذي لا يهادن ولا يساوم.
حملت الكاميرا كما يحمل المقاوم بندقيته، لا لتصنع مشهدًا عابرًا، بل لتوثّق الحقيقة كما هي، بعيدا من التزييف.
لم تكن تخشى الطريق الوعر ولا الخطر المحدق، ولا التهديدات الاسرائيلية المستمرة لها، لأن يقينها كان أكبر من الخوف، وهو أن الصورة الصادقة أقوى من الرصاصة، وأن الكلمة الحرة أبقى من كل آلات القمع.
في مسيرتها المهنية، جسّدت أمال نموذج الصحافية التي لا تقف على الحياد حين تكون الحقيقة مجروحة. لذلك فقد انحازت للإنسان، للأرض، للشجر، للحق وللمقاومة، وقدمت شجاعةً نادرة وجرأة غير مسبوقة. كانت حاضرة في الميدان، بين الناس، وسط الدخان والدمار، تنقل ما يجري بعيون مفتوحة وقلب نابض وصدق منقطع النظير، غير آبهة بالتهديدات ولا بالاستهداف المتكرر لكل من رفع صوت الحقيقة من زملائها الشهداء.
ولأن الكيان الصهيوني الغاشم، يُدرك أن الضوء يفضحه، وأن الصورة تجرّده من رواياته الزائفة، وأن الكلمة الحرة تهدم سرديته، فإنه يخشى الصحافيين كما يخشى المواجهة المباشرة مع المقاومين.
يخشى العدو المجرم تلك العدسة التي ترصد، والميكروفون الذي يسأل، والقلم الذي يكتب بلا خوف. لذلك يستهدفهم، في محاولة يائسة لإخفاء العدوان وكسر الذاكرة. لكنه يُخطئ في كل مرة، لأن كل صحافي يسقط يولد في أثره عشرات ممن يكملون الطريق.
أمال خليل لم تكن مجرد اسم في سجل الإعلام، بل كانت عروس الصحافة اللبنانية، أيقونةً في الجرأة والالتزام. تركت خلفها إرثًا من المهنية العالية، ومن الإيمان العميق بأن الحقيقة تستحق أن تُروى مهما كان الثمن. استشهدت أمال لكنها باقية في كل تقرير صادق، وفي كل لقطة توثّق وجع الناس وصمودهم، وفي كل صحافي قرر أن يسير على خطاها، وستبقى روحها ترفرف فوق أرض الجنوب كعين ساهره على معاناة الأهالي والتي لم تقصر يوما في نقلها كما هي.
رحم الله الشهيدة أمال خليل، وجعل دمها شاهدًا إضافيًا على أن الكلمة الحرة لا تُغتال، بل تتجدد، وهي ستبقى حاضرة في الذاكرة والوجدان، رمزًا لإعلام لا ينحني، وصوتًا لا يُسكت، وقلمًا لا ينكسر.






