في اللحظة التي تشتد فيها الضغوط الدولية لرسم خارطة “شرق أوسط جديد” انطلاقاً من الساحة اللبنانية، تبرز طروحات سياسية رسمية تروج لمفهوم “نزع السلاح” كشرط وحيد لاستعادة هيبة الدولة، لكن هذا الطرح، حين يُقرأ بعين وطنية فاحصة، يثير تساؤلات وجودية حول مصير لبنان؛ فالدعوة إلى تجريد السلاح “بمعزل عن المطالب الإسرائيلية” ليست مجرد إجراء قانوني إداري، بل هي في جوهرها عملية “نزع أنياب” تجعل من البلاد جسداً أعزل أمام عاصفة من الأطماع التوسعية ومشاريع التوطين التي تلوح في الأفق.
هل يمكن فصل السلاح عن التهديد؟
تعتمد فرضية “احتكار الدولة للسلاح” كقاعدة مجردة على تجاهل السياق الجيوسياسي للبنان، فالسيادة لا تكتمل بمجرد إخضاع الداخل، بل بقدرة الدولة على ردع الخارج.
وهنا تبرز المغالطة السيادية الكبرى؛ فالسلاح في الحالة اللبنانية ليس خياراً ترفياً، بل هو وظيفة فرضها واقع الاحتلال الدائم والانتهاكات اليومية، وعليه فإن القول بأن نزع السلاح مصلحة وطنية “بغض النظر عما تطلبه إسرائيل” يمثل انفصالاً عن الواقع؛ فإسرائيل هي المستفيد الأول من تحويل لبنان إلى ساحة مكشوفة أمنياً، كما أن فصل السلاح عن وظيفته الدفاعية وتحويله إلى قضية إجرائية هو استجابة طوعية لأهداف الاحتلال، حتى لو غُلف بوعود الاستقرار والازدهار.
فخ الدولة الضعيفة
تبرز تناقضات حادة عند المطالبة بتعزيز الجيش اللبناني عبر القوى الدولية التي تفرض “فيتو” تاريخياً على تزويده بأسلحة كاسرة للتوازن، فالمساعدات المشروطة التي تمنحها واشنطن للجيش تهدف دائماً لتعزيز مهام الأمن الداخلي وليس بناء قوة رادعة قادرة على مواجهة إسرائيل.
هذه المقاربة تخلق دولة “وظيفية” لا “سيادية”؛ حيث يُطلب من الجيش أن يكون أداة لضبط الداخل وملاحقة المقاومة وتفكيك بيئتها (جاهر توم براك الوقح بذلك علناً دون مواربة) بينما يظل عاجزاً عن حماية السماء والمياه والحدود، وبالتالي فإن رهن قرار السلاح بموافقة الخارج يعني حتماً أن السيادة اللبنانية ستظل منقوصة ومرتهنة للمصالح الأمريكية – الإسرائيلية.
التوطين والتطبيع أثمان مؤجلة للتفاوض
إن الذهاب إلى طاولات المفاوضات في واشنطن بقرار مسبق بتجريم المقاومة ونزع سلاحها هو انتحار استراتيجي، ففي علم السياسة لا تُبنى الاتفاقات إلا على موازين القوى، وتفكيك عناصر القوة اللبنانية قبل الجلوس مع الخصم – العدو يعني تحويل المفاوضات إلى “مراسم توقيع” على صك استسلام، ما يفتح الباب أمام استحقاقات خطيرة أبرزها:
١- فرض التوطين: عندما يفقد لبنان قدرته على الردع، سيصبح لزاماً عليه القبول بـ “الأمر الواقع” في ملفات اللاجئين الفلسطينيين والنازحين السوريين كجزء من تسويات إقليمية تفرضها القوى المهيمنة، ما يهدد الهوية اللبنانية والتركيبة الاجتماعية الداخلية.
٢- التطبيع القسري: إن تجريد لبنان من أوراق قوته يمهد الطريق لدمجه في المنظومة الإسرائيلية تحت شعارات “إعادة الإعمار” و”الاستقرار الاقتصادي”، مما يحوّله إلى تابع أمني واقتصادي لكيان لم يخفِ يوماً أطماعه في الأرض والمياه.
إن السيادة الحقيقية لا تُستجدى من العواصم الدولية، ولا تُبنى بتفكيك عناصر القوة الذاتية، بل هي قدرة الدولة على قول “لا” عندما تُهدد مصالحها العليا، والخطاب الذي يروّج لنزع السلاح في ظل هيمنة أمريكية – إسرائيلية على القرار الرسمي لا يعني “قيام الدولة”، بل يعني تحويل لبنان إلى “محمية” أمنية مستباحة.
لا يمكن بناء دولة بجيشين وهذا مبدأ صحيح غير قابل للنقاش، ولكن هذا الأمر يستلزم وجود قرار سيادي غير مرتهن لمن يسلّح العدو ويحمي جرائمه، أما حماية لبنان فلا تمر إلا عبر تكامل القوى الوطنية، وليس عبر طعنها في الظهر لإرضاء الخارج، لأن الثمن سيكون ضياع السيادة والوجود معاً.




