غارات الفجر تستهدف قلب بيروت.. وتفتح صراعاً متعدد الأوجه!.. غسان ريفي

يرفع العدو الاسرائيلي من وتيرة هجماته الغادرة على المناطق المدنية الآمنة في العاصمة بيروت التي شهدت فجر اليوم غارات على شقق سكنية في البسطة التحتا وزقاق البلاط وعلى مبنى في الباشورة ما أدى إلى استشهاد ستة أشخاص وجرح 24 آخرين، فضلا عن إستمرار الغارات على الضاحية الجنوبية وعلى مناطق لبنانية أخرى. 

 

لا شك في أن استهداف العدو الاسرائيلي لقلب بيروت بهذا الشكل وترويع الآمنين واختيار ساعات الفجر وفي شهر رمضان المبارك وقبل يوم من العيد يهدف إلى رفع وتيرة الضغط على الداخل اللبناني ورسم معادلات جديدة بديلة عن الميدان الملتهب الذي لم تستطع إسرائيل بعد مرور أسبوعين على تحقيق أي انجاز عسكري فيه.

 

فمنذ اندلاع المواجهات، شكّل الجنوب اللبناني الساحة الأساسية للاشتباك، حيث تدور معارك عنيفة على مدار الساعة تتسم أحياناً بالمواجهات من المسافة صفر، في ظل محاولات إسرائيلية متكررة للتوغل نحو البلدات الحدودية.

 

إلا أن هذه المحاولات، وفق المعطيات الميدانية، اصطدمت بقدرة المقاومة على منع تثبيت مواقع عسكرية دائمة للعدو، ما أدى إلى استنزاف لإسرائيل التي لم تنجح في تحقيق اختراقات حاسمة على الأرض. 

كما أن تفشيل الانزالات في السلسلة الشرقية، ولا سيما في منطقة النبي شيت، ساهم في تكريس حالة الجمود الميداني والعسكري البري.

في المقابل، ووسط رفع المقاومة وتيرة اطلاق الصواريخ والمسيرات باتجاه شمال فلسطين المحتلة ضمن عمليات تحمل طابعاً تصعيدياً واضحاً تحت عنوان “خيبر ١”، بدا أن إسرائيل اتجهت مجدداً إلى خيار الاغتيالات والاستهدافات داخل العمق اللبناني كبديل عن الاخفاقات الميدانية. 

فالقصف الذي طال مناطق تعتبر آمنة نسبياً في بيروت، ومن دون إنذارات مسبقة، يحمل أهدافا متعددة، أبرزها: إرباك البيئة الحاضنة للمقاومة التي تهجرت بفعل العدوان، الضغط النفسي على المجتمع اللبناني، ودفعه إلى تحميل المسؤوليات إلى المقاومة بما يضاعف من حالة التوتر والإرباك.

 

كما تعكس هذه الأهداف محاولة لنقل المواجهة من الميدان العسكري الطبيعي إلى الساحة السياسية الداخلية، إذ تراهن إسرائيل تاريخياً على الانقسامات العمودية باعتبارها نقطة ضعف بنيوية، وتسعى من خلال التصعيد الأمني والضغط العسكري إلى تعميق الانقسامات السياسية والاجتماعية، وصولا إلى فتنة تريحها وتمنحها حرية الحركة، فضلاً عن الضغط على الحكومة اللبنانية لاتخاذ خطوات إضافية تحدّ من دور المقاومة أو تفتح الباب أمام ترتيبات أمنية جديدة. 

 

في هذا السياق، يمكن فهم الشروط التي تطرحها إسرائيل قبيل أي مسار تفاوضي محتمل مع لبنان، والتي تتراوح بين مطالب الاعتراف الرسمي بالكيان، ونزع سلاح المقاومة، وصولاً إلى إتفاقات أمنية واقتصادية واسعة. 

 

هذه الشروط، التي تبدو بالنسبة إلى شريحة واسعة من اللبنانيين تعجيزية أو أقرب إلى فرض وقائع سياسية بالقوة تمهد للاستسلام، تحمل في طياتها احتمال تفجير خلافات داخلية حادة، خصوصاً في بلد يعاني أساساً من هشاشة اقتصادية وانقسام سياسي يعمقه التحريض الطائفي والمذهبي والاصطياد في الماء العكر لبعض التيارات السياسية التي بدأت تكشف عن نواياها حيال هذا العدوان الذي يطال كل لبنان ويستهدف أبنائه بما في ذلك المؤسسة العسكرية التي ارتقى لها ثلاثة شهداء أمس بعدوان إسرائيلي غادر استهدف زبدين وقعقعية الجسر ما يؤكد أن الوحشية الاسرائيلية لا تفرق بين لبناني وآخر أو بين منطقة وأخرى. 

 

ووفق هذا المنظور، فإن إسرائيل لا تسعى فقط إلى تحقيق مكاسب عسكرية مباشرة، بل إلى الوصول إلى طاولة المفاوضات ولبنان في حالة إنهاك شامل: اقتصادياً، سياسياً وأمنياً ومجتمعيا، فاضعاف الجبهة الداخلية قد يسهّل فرض مشروع المنطقة العازلة في الجنوب، وربطها بجنوب سوريا بهدف تأمين حدود شمال فلسطين المحتلة على المدى الطويل.

في المقابل، يضع هذا الواقع لبنان أمام معادلة معقدة للغاية، فاستمرار المواجهة يرفع كلفة الحرب على المجتمع والدولة، بينما تبدو الخيارات السياسية محدودة في ظل غياب التوافق الوطني الجامع حول استراتيجية الدفاع أو شكل التسوية الممكنة، ما يضع اللبنانيين أمام مرحلة مفصلية من شأنها ان تحدد جغرافية بلدهم وأمنه واستقراره وسيادته وسلامة أراضيه. 

وعليه، لا يمكن اختزال المشهد اللبناني بمواجهات تقليدية، بل هو صراع متعدد الأوجه: عسكري على الحدود، أمني في العمق، وسياسي داخل المجتمع اللبناني نفسه. وفي ظل غياب أفق واضح للحسم، يبدو أن الأمور ستبقى مفتوحة على مزيد من التصعيد، بالتوازي مع سباق خفي لفرض شروط ما بعد الحرب.

 



 

Post Author: SafirAlChamal