رسائل سياسية في إفطار المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى: مشروع الدولة لا يتناقض مع عناصر القوة!.. غسان ريفي

تجاوز الإفطار الرمضاني الوطني الجامع الذي نظّمه المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى في مقره، البعد الديني والاجتماعي إلى توجيه رسائل سياسية واضحة إلى أركان الحكم والداخل اللبناني بمكوّناته كافة. 

الحضور الذي جمع رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، إلى جانب رؤساء الطوائف والحكومات السابقين والتيارات والأحزاب وقيادات سياسية من إتجاهات مختلفة، عكس حرص المجلس ورئيسه الشيخ علي الخطيب على تعزيز موقعه كمرجعية وطنية منفتحة على الجميع، ومكوّن أساسي في المعادلة اللبنانية، لا يقف على هامش التحولات بل يسعى إلى التأثير في مسارها.

 

في كلمته، قدّم الشيخ الخطيب مقاربة سياسية متكاملة قوامها التمسك بمشروع الدولة القوية العادلة، في مواجهة مشاريع الدويلات الطائفية التي اعتبرها “امتداداً لمخططات تستهدف المنطقة”. 

هذا التمسك بالدولة، لم يُطرح بوصفه شعاراً متداولا، بل ارتبط بشروط موضوعية حول قدرتها الفعلية على حماية السيادة وتحرير الأرض وبسط سلطتها على كامل أراضيها، حيث أن سيادة الدولة، لا تتحقق بإطلاق الشعارات أو بتغليب عنوان على آخر، بل بتمكينها من أداء واجباتها كاملة، لجهة الأولويات المتعلقة بتحرير ما تبقى من أرض محتلة، إعادة الأسرى، إطلاق ورشة الإعمار، وتأمين الأمن والاستقرار لكل اللبنانيين.

 

اللافت أن كلام الشيخ الخطيب لم يتضمن ثنائية الدولة والمقاومة، بل حرص على دمجهما في سياق واحد، حيث شدد على أن “حمل السلاح لم يكن خياراً بحد ذاته، بل نتيجة غياب الدولة عن القيام بمسؤولياتها في مواجهة الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية”، مؤكداً أن “هذا الدور يجب أن يكون في الأصل من صلب وظيفة الدولة ويتحمل مسؤوليته جميع اللبنانيين”. 

من هنا، بدا واضحاً أن المجلس يطرح العبور إلى مرحلة انتظام الدور ضمن استراتيجية أمن وطني تتبناها الدولة نفسها، انسجاماً مع ما ورد في خطاب القسم والبيان الوزاري.

 

في السياق عينه، أعاد الشيخ الخطيب التذكير بجذور المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الفكرية والسياسية الممتدة إلى رؤية ونهج الإمام المغيب موسى الصدر القائمة على دولة المواطنة والعدالة، مستحضراً أيضاً الطرح الداعي إلى إلغاء الطائفية السياسية وتشكيل الهيئة الوطنية المنصوص عليها في المادة 95 من الدستور، وهو المطلب الذي لطالما شدد عليه الرئيس نبيه بري، ما يشير إلى حرص المجلس على تثبيت نفسه في موقع الداعي إلى إصلاح بنيوي يعيد التوازن للنظام السياسي، لا في موقع المتمسك ببنية طائفية جامدة.

كلام الشيخ الخطيب تضمن بعدا حواريا بالإشارة إلى اللقاء مع قداسة البابا لاوون الرابع عشر والرسالة التي شددت على خصوصية لبنان كنموذج للعيش المشترك، وفي ذلك تأكيد على الالتزام بخيار العيش المشترك أو العيش الواحد، وبالدعوة إلى حوار وطني صادق يطمئن مختلف الشرائح اللبنانية، في ظل مرحلة إقليمية ودولية دقيقة تتقاطع فيها الضغوط والتحديات.

يمكن القول، إن كلام الشيخ الخطيب يشكل إعادة تموضع سياسي في لحظة مفصلية، لجهة إعلان الشراكة في مشروع الدولة، والرهان على عهد الرئيس جوزيف عون والتعاون مع مجلس النواب والحكومة لتحقيق إنجازات في ملفات الإصلاح والسيادة والاقتصاد، ولا سيما ما يتعلق بإعادة أموال المودعين وبناء اقتصاد سليم يحقق توازناً اجتماعياً. 

وفي الوقت نفسه، عرض الشيخ الخطيب في كلمته لهواجس بيئته، مصرا على إدخالها في صلب النقاش الوطني، ومؤكداً أن أي مقاربة لمسألة السلاح أو السيادة لا يمكن أن تتجاهل استمرار الاحتلال والاعتداءات والتهديدات.

 

من هذا المنطلق، بدا واضحا من الإفطار الرمضاني شكلا ومضمونا، أن المجلس يسعى إلى تكريس معادلة قوامها أن “مشروع الدولة لا يتناقض مع عناصر القوة التي يمتلكها لبنان، بل ينبغي أن يستثمرها ضمن إطار وطني”، وفي ذلك دعوة جامعة إلى بناء دولة تحترم الطوائف من دون أن تغرق في الطائفية، تحمي حدودها من دون أن تتخلى عن واجبها في التحرير ووقف الاعتداءات، وتعيد بناء الثقة بين مؤسساتها ومواطنيها.

 



 

Post Author: SafirAlChamal