لم تعد جيوبوليتيك الهيمنة، وهي “لعبة الحفاظ على المصالح الكبرى للقوى العظمى”، تقتصر على سيطرة موارد الطاقة من نفط وغاز ومياه لتأمين وفرة الإنتاج من هذه الموارد، بل انتقلت الى اعتماد استراتيجيات أخرى وهي السيطرة على سلاسل التوريد SC “الطاقي” والتي تتعدى مرحلة الاشراف على انتاج الطاقة من نفط وغاز وغيرها… لتبدأ من مرحلة التخطيط الاستراتيجي لهذه المصادر مرورًا بالتنقيب عنها لإنتاجها وتحويلها واستخدامها وتصديرها… وهذا يتطلب امتلاك وإدارة مباشرة لهذه الموارد بهدف استخدام هذه الطاقة من نفط وغاز كسلاح للتأثير وحتى السيطرة على القرار السياسي والاقتصادي في مختلف الدول.
في هذا السياق وإثر العدوان الإسرائيلي على لبنان في 2 مارس/آذار 2026، بدأت تصاريح وبيانات من مسؤولين في الكيان الإسرائيلي تطلب الغاء اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع لبنان التي وُقِّعت في العام 2022 بعد اجراء مفاوضات غير مباشرة حينها بوساطة أميركية.
ولعل أبرز هذه التصريحات هي لوزير الطاقة في حكومة العدو “ايلي كوهين” في احدى المقابلات التي أُجريت معه في 15 مارس/ آذار 2026 على احدى إذاعات العدو حيث اعتبر أنّ هذه الاتفاقية هي اتفاقية استسلام ويجب الغاؤها، واعتبار أن حقول النفط والغاز بما فيها البلوك 8، و9 أي حقل قانا و10 هي حقول يجب السيطرة عليها، على اعتبار أنها تحتوي ثروة كبيرة من الغاز السائل خاصة البلوك رقم 8، وتقع هذه الحقول في المياه الإقليمية اللبنانية في المنطقة الممتدة بين الناقورة والبياضة.
من الجدير التذكير أن اتفاقية 2022 نصت في احدى بنودها على أن حقوق التنقيب في حقل “قانا” أعطيت للبنان حصرًا مقابل أن يستفيد العدو الإسرائيلي من حقل “كاريش” بالكامل بعد أن كان هناك تنازع عليه وعدم اتفاق على منح الحقل كاملًا للعدو.
في 18 أبريل/ نيسان 2026 نشر العدو الإسرائيلي خريطة لبنان تضمنت “خطًا أصفرًا” – على غرار ما حصل في غزة – يمتد بعمق 10 كيلومتر في الأراضي اللبنانية يتضمن 55 بلدة وقرية جنوبية، وذلك لجعلها منطقة عازلة، خالية من السلاح، تحت ذريعة حماية أمن المستوطنات في شمال الكيان المحتل، وهو بذلك ومن خلال هذه الخطوات يهدف الى إعادة تشكيل الجغرافية الأمنية وفرضها بقوة الاحتلال والتدمير والتفجير لطمس هوية تلك البلدات اللبنانية ومعالم الحياة فيها.
إلا أن اللافت في هذه الخريطة، التي تمَّ نشرها أنها لم تقتصر على ترسيم الحدود البرية فقط من خلال ما أطلقت عليه “الخط الأصفر” بل امتد ايضًا على الحدود البحرية للمنطقة الواقعة من الناقورة حتى البياضة وهي موقع وجود البلوكات التي كان العدو يسعى للحصول عليها في اتفاقية الترسيم في العام 2022.
اضافةً الى ما صرّح به وزير طاقة العدو أثناء العدوان على لبنان، هناك معطيات أخرى حدثت أثناء هذا العدوان تمهيدًا لعزل هذه المنطقة البحرية، منها بيان الإنذار الذي أطلقه الناطق بإسم قوات الاحتلال “أدرعي” بتاريخ 7 أبريل/ نيسان 2026 يُوجب بسحب كافة القطع البحرية الراسية والمبحرة في المنطقة البحرية الى ما قبل مرفأ صور والتي حددها على خريطة الاخلاء -حينها – الواقعة بين الناقورة مرورًا بمزرعة بيوت السياد وصولًا الى مدينة صور، وتُعد هذه العملية “عملية تطهير بحري” تمهيدًا لإحكام السيطرة على هذه المنطقة.
إذًا إن السعي لمحاولة السيطرة واحتلال حقول النفط والغاز اللبنانية عبر فرض منطقة عازلة خالية من السلاح برًا وبحرًا تحت ذريعة تأمين أمن المستوطنات الشمالية، تضعنا أمام إشكالية مهمة وهي سعي العدو الإسرائيلي لامتلاك -وبقوة الاحتلال – هذه الحقول ليتحول الى قوة مؤثرة في القرار السياسي والاقتصادي لدول المنطقة والدول التي ستستفيد من هذه الثروة النفطية وذلك من خلال امتلاكه للنفط والغاز، وما لم يتم تحقيقه عسكريًا – أي احتلال الأرض والمياه اللبنانية – سيتم تحقيقه اقتصاديًا وسياسيًا وبقوة النفط والمال في ظل التدهور الاقتصادي العالمي المتأثر بالحرب الإيرانية الأميركية ومنها لبنان.
أمام هذا الواقع نطرح فرضيتين، الأولى “أنّ حقول نفط العدو لم تعد تلبي حاجاته ويسعى الى توفير أمن ذاتي من النفط والغاز من خلال السيطرة على حقول الغاز والنفط اللبنانية” خاصةً أن العدو أغلق حقلي “لفياتان” و “كاريش” خوفًا من استهدافهما من قبل ايران، بعد أن استهدفت ايران في 19 مارس/ آذار مجمع “بازان” في حيفا وهو يُعتبر أكبر مصفاة لتكرير النفط والبتروكيماويات يمتلكه العدو، وعلى أثر ذلك طلب من شركة شيفرون الأميركية التوقف عن العمل بهما وأبقى على العمل في حقل “تمار” فقط لتأمين الغاز خوفًا من انقطاع الكهرباء في الداخل الى جانب الحقل النفطي البري وهو حقل “ميجيد” يقع بين جنوب كفار سابا وشمال “روش هاعين/ رأس العين”.
أما الفرضية الثانية “أن العدو الإسرائيلي من خلال إعادة رسم الجغرافية البحرية يسعى للسيطرة والتمدد للمرة الأولى بحريًا ليصبح القوة الاقتصادية النفطية الأولى في الشرق الأوسط والتي تعتمد عليها أوروبا بالدرجة الأولى”.
هذه الأطماع تكشفت شيئًا فشيئًا بدءًا من تصريحات وزير طاقة العدو “ايلي كوهين” وتحذيرات الاخلاء البحري لهذه المنطقة ومن ثمّ الخط الأصفر الذي رسمه العدو الإسرائيلي على خريطة لبنان، اضافةً الى الترويج الدائم لإقامة منطقة اقتصادية ذات إدارة مشتركة، إلا أنها ستشكّل غطاءً لنهب النفط والغاز اللبناني وبالتالي الاقتصاد اللبناني، على اعتبار أن لبنان كان يبني آمالًا كبيرة على بدء أعمال التنقيب والاستخراج لتكون الخطوة الأولى نحو التعافي الاقتصادي.
هاتان الفرضيتان يسعى العدو الى تحقيقهما خاصة أن شركة شيفرون الأميركية المسؤولة عن عمليات التنقيب والاستخراج للنفط والغاز للحقول الموجودة داخل الكيان لديها فرص وفيرة لدخول السوق “النفطي” اللبنانية بعد توقف شركة “توتال” الفرنسية عن التنقيب في الحقول النفطية اللبنانية بذريعة أن الكميات الموجودة في هذه الحقول لا تستدعي البدء بأعمال الحفر والتنقيب.
وإذا ما دخلت شيفرون الى السوق اللبنانية، تكون هذه الشركة ومن وراءها أميركا وأيضًا العدو الإسرائيلي سيطرتا على حقول الغاز والنفط في البحر المتوسط بدءًا من الحقول الموجودة في المياه الإقليمية لفلسطين المحتلة جنوبًا مرورًا بلبنان وصولًا الى الحقول النفطية السورية خاصةً أنه يتم حاليًا دراسة إمكانية استلام شيفرون لتلك الحقول للبدء بأعمال الحفر والتنقيب فيها.
هذه الاستراتيجية التي ينتهجها العدو في السيطرة على موارد الطاقة هي فعليًا محاولات حثيثة لإعادة تموضع جيوبوليتيك الهيمنة في البحر المتوسط تسعى من خلاله في الدرجة الأولى الى الاستقلال في تأمين الطاقة كي لا تتعرض لنقص في هذه الموارد أثناء عدوانها المستمر على دول المنطقة من جهة، وعلى ضمان امدادات لحلفائها في أوروبا ومن ثم التأثير في القرارات السياسية لتلك البلدان من جهة أخرى في ظلّ تعرض السوق النفطي لهزات أمنية نتيجة الحروب الدائرة في المنطقة.




