طرابلس للمرة الأولى منذ قرون من دون مدفع الإفطار.. من يبادر إلى إعادته؟!.. غسان ريفي

منذ اليوم الأول من شهر رمضان المبارك، غاب مدفع رمضان عن مدينة طرابلس، لا عند إثبات رؤية هلال الشهر الفضيل ولا عند الإفطار ولا عند السحور والإمساك، وذلك لأول مرة في تاريخ الفيحاء التي كان أهلها ينتظرون “الدويّ” الذي يُطربهم للإعلان عن المواقيت التي تهمهم. 

لم يسبق أن إفتقد الطرابلسيون مدفع رمضان حتى في أسوأ ظروف الحروب، حيث كل من تعاقب على حكم المدينة منذ قديم الزمان حرص على أن يطلقه خلال شهر رمضان للحفاظ على هذا التقليد الذي كان يميز طرابلس عن غيرها من المدن، حتى في التاريخ الحديث فقد تولت “قوى الأمر الواقع” ضرب هذا المدفع وصولا إلى قيام دار الفتوى إلى تكليف هذه المهمة إلى قيادة الجيش التي كانت تحصل منها على المواقيت وتعمل على إطلاق المدفع للإعلان عن بداية الشهر وعند الإفطار وعند السحور والإمساك وعند إثبات رؤية هلال عيد الفطر السعيد.

على مدار قرون من الزمن حافظت طرابلس على كل ما يتعلق بعادات وتقاليد رمضان سواء كانت دينية إلى إجتماعية وأبرزها مدفع رمضان حيث شكل موروثا هاما لأبناء المدينة حتى طغى في بعض الأحيان في أحاديثهم على آذان المغرب حيث كانت مواعيد اللقاءات بينهم تُضرب على توقيت مدفع الإفطار قبله أو بعده.

في هذا العام، غاب مدفع الإفطار عن الدوي في طرابلس التي خسرت بذلك عادة أساسية من عادات الشهر الكريم، ولدى سؤال “سفير الشمال” مفتي طرابلس الشيخ محمد إمام عن هذا الغياب، أشار إلى الأمر يُفترض أن يكون في عهدة قيادة الجيش اللبناني، وأكد أنه سيكلف أحد المشايخ بمتابعة هذا الأمر ومعالجته بشكل سريع.

وبالفعل، كلف المفتي إمام الشيخ فراس بلوط الذي أجرى سلسلة إتصالات بقيادة الجيش، مؤكدا لها أن أي كلفة مالية مطلوبة فإن دار الفتوى مستعدة للتكفل بها، ولكن حتى اليوم لم يأت أي جواب فيما المدينة تفتقد مدفعها، الأمر الذي يتطلب متابعة حثيثة وسريعة من قيادات ونواب طرابلس لإعادة هذا التراث الرمضاني قبل إنتهاء الشهر الفضيل.  

 

 يُعتبر مدفع رمضان واحدا من أبرز التقاليد الاسلامية التي ترافق الشهر المبارك، وتسعى كثير من الدول العربية الى الحفاظ عليه، لا سيما في لبنان، فلسطين، مصر، سوريا، الأردن، ودول المغرب العربي، وهو يشكل في عصرنا الحاضر أحد أهم الموروثات التي يتميز بها شهر الصوم، حيث يُدخل دويه الفرحة الى قلوب الصائمين لا سيما عند آذان المغرب إيذانا بالافطار، ويعطي إشارة السباق فجرا لانهاء السحور قبل الامساك.

بالرغم من تطور مدفع رمضان الذي باتت مهمة إطلاقه تنحصر بالجيوش العائدة للدول التي ما تزال تحافظ على هذا التقليد، إلا أنه يعيد الصائمين الى روحانية الشهر الكريم وعاداته التي تعطيه نكهة خاصة. 

يشير الروايات التاريخية إلى أن المسلمين في شهر رمضان، كانوا أيام النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) يأكلون ويشربون من الغروب حتى وقت النوم، وعندما بدأ استخدام الأذان اشتهر الصحابيان بلال بن رباح، وإبن أم مكتوم بآدائه، وكان المسلمون يتوقفون عن الطعام والشراب قبل آذان الفجر بقليل وهو موعد الامساك.

حاول المسلمون على مدى التاريخ، ومع زيادة الرقعة المكانية والسكانية وانتشار الإسلام، أن يبتكروا الوسائل المختلفة إلى جانب الآذان للإشارة إلى موعد الإفطار، إلى أن ظهر مدفع الإفطار إلى الوجود.

كانت القاهرة أول مدينة ينطلق فيها مدفع رمضان، فعند غروب أول يوم من رمضان عام 865 هجرية  أراد السلطان المملوكي خشقدم أن يجرّب مدفعًا جديدًا وصل إليه. وقد صادف إطلاق المدفع وقت المغرب بالضبط، فظن الناس أن السلطان تعمد إطلاق المدفع لتنبيه الصائمين إلى أن موعد الإفطار قد حان، فخرجت جموع الأهالي إلى مقر الحكم تشكر السلطان على هذه البدعة الحسنة التي استحدثها.

وعندما رأى السلطان سرورهم قرر المضي في إطلاق المدفع كل يوم إيذانًا بالإفطار ثم أضاف بعد ذلك مدفعي السحور والإمساك.  

في عهد المماليك، إنتشر مدفع رمضان في كل الولايات التابعة للسلطنة، ومنها طرابلس حيث تم نصب المدفع على إحدى النوافذ الحجرية في القلعة المطلة على المدينة. وكان ضارب المدفع يتلقَّى إشارة إطلاقه من إضاءة القناديل حول مئذنة الجامع المنصوري الكبير، وقد استمر هذا التقليد قروناً من الزمن مروراً بالعهد العثماني، وصولاً إلى التاريخ الحديث، إذ تحوَّل المدفع المملوكي إلى رمز تاريخي لا تزال طرابلس تحافظ عليه ويشكل عامل جذب لكثير من السواح الذين يزورون القلعة الأثرية.

اليوم يغيب مدفع الإفطار عن طرابلس، فهل من يبادر إلى إعادته، لكي لا يُسجل على المعنيين في المدينة أنه في عهدهم فقدت الفيحاء واحدا من أهم موروثاتها الرمضانية.

 



 

Post Author: SafirAlChamal