شكّل إفطار دار الفتوى في اليوم الثاني من شهر رمضان المبارك هذا العام، محطة سياسية وطنية بامتياز، تجاوزت بعدها الديني والاجتماعي لتتحول إلى مناسبة جامعة عكست رسائل داخلية متعددة الاتجاهات. فقد جمع مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبداللطيف دريان أركان الدولة ورؤساء حكومات سابقين، ورؤساء طوائف وتيارات وأحزاب سياسية، ووزراء ونوابًا حاليين وسابقين، إلى جانب شخصيات سياسية، روحية، إقتصادية واجتماعية، على “مائدة الرحمن” في مشهد أعاد التأكيد على دور دار الفتوى كمرجعية وطنية جامعة.
اللافت هذا العام كان الحضور السياسي البارز للرئيس سعد الحريري في إطلالة هي الأولى له على هذا المستوى منذ تعليقه العمل السياسي منذ أربع سنوات.
وقد بدا واضحًا أن المفتي دريان حرص على تقريب موعد الإفطار إلى اليوم الثاني من رمضان، مستفيدًا من وجود الحريري في لبنان لإحياء ذكرى استشهاد والده في ١٤ شباط، ما أتاح مشاركته إلى جانب المدعوين، حيث شكل حضوره محور اهتمام الحاضرين ووسائل الإعلام، وأضفى على المناسبة بعدًا سياسيًا إضافيًا.
تميّز الإفطار بلقاءات لافتة عكست مناخًا من الانفتاح. فقد سُجّل لقاء وُصف بالحميم بين الحريري ورئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، أمام مرأى رئيس الحكومة نواف سلام، كما اصطحبه رئيس مجلس النواب نبيه إلى عين التينة بعد الإفطار، حيث عُقد لقاء تناول المستجدات على الساحة السياسية ما أكد متانة العلاقة بين الرجلين.
في المقابل، لم يرق حضور الحريري لبعض النواب السنّة، ولا سيما أولئك الذين انقلبوا عليه في السنوات الأخيرة، خصوصا أن مشاركته “سرقت الأضواء” وتناقضت مع سرديتهم حول أفول “الحريرية السياسية” التي روّجوا لها خلال الفترة الماضية.
حرص المفتي دريان في الإفطار الرمضاني على توجيه رسائل عدة، أبرزها تجديد التأكيد على أنّ الدار هي “دار الأمة الحاضنة” والمرجعية الوطنية القادرة على جمع مختلف المكونات اللبنانية، وكسر الحواجز وتجاوز الخلافات السياسية تحت سقفها الجامع.
في كلمته، رحّب المفتي بالحضور في دار الفتوى، واصفًا إياها بـ”البيت الإيماني الذي يرفع لواء الوحدة الوطنية والعيش الواحد”، ومشددًا على رمزية شهر رمضان كمساحة للإيمان والمحبة والأخوّة الإنسانية والسلام. وقد حمل كلامه بعدًا وطنيًا واضحًا، إذ ميّز بين مفهومَي “الاختلاف” و”الخلاف”، معتبرًا أن الاختلاف الصحي في الأنظمة الديمقراطية يُسهم في بلورة الحلول، بينما يقود الخلاف إلى انقسامات خطيرة تهدد وحدة المجتمع والدولة.
وقد جاء هذا التمييز في إطار دعوة صريحة إلى اعتماد ثقافة الدولة الواحدة وقرارها الواحد، والتلاقي تحت سقف المؤسسات، بما يعزز قيام دولة قوية بقرارها السيادي وقدرتها على حماية مصالح مواطنيها. وفي ذلك رسالة إلى القوى السياسية بضرورة الانتقال من منطق الاصطفافات والانقسامات إلى منطق الشراكة الوطنية المسؤولة.
يمكن القول، إن إفطار دار الفتوى هذا العام كان أكثر من مناسبة رمضانية، بل شكل رسالة سياسية – روحية لإعادة تثبيت مرجعية الاعتدال، ورسالة واضحة بأن مساحة الحوار لا تزال ممكنة، وأن دار الفتوى قادرة على لعب دور جامع في لحظة لبنانية دقيقة تتقاطع فيها الأزمات مع الحاجة الملحّة إلى كلمة سواء.






