رغم الاندفاعة السياسية التي يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإعادة فتح ملف النفط الفنزويلي، فإن كبرى الشركات الأميركية ما زالت تتعامل مع هذا الملف ببرودة واضحة، رافضة الدخول في استثمارات ضخمة لا تتناسب – بحسب تقديرها – مع كلفة المخاطر السياسية والتقنية والمالية.
هذا الرفض لا يعبّر فقط عن حسابات تجارية بحتة، بل يكشف أيضاً عن فجوة متزايدة بين الخطاب السياسي لترامب وواقع قرارات مجالس إدارات شركات النفط العملاقة.
وفق تقارير حديثة لصحف اقتصادية دولية، أقرّ مسؤولون أميركيون، بينهم وزير الخزانة، بأن “شركات النفط الكبرى غير متحمسة” للاستثمار الواسع في فنزويلا، رغم ضغوط البيت الأبيض. وتعود الأسباب إلى مجموعة عوامل متراكمة:
أولاً: النفط الثقيل في فنزويلا يتطلب تقنيات متقدمة وكلفة استخراج وتكرير أعلى من المتوسط العالمي.
ثانياً: البنية التحتية المتهالكة بعد سنوات من الإهمال والعقوبات، ما يعني استثمارات أولية بمليارات الدولارات قبل تحقيق أي عائد.
ثالثاً: عدم الاستقرار القانوني والسياسي، في ظل سجل طويل من المصادرات وتبدّل القواعد الناظمة للاستثمار.
رابعاً: انخفاض أسعار النفط عالمياً مقارنة بسنوات الطفرة، ما يقلّص جدوى المشاريع عالية الكلفة.
هذه المعطيات جعلت شركات مثل – إكسون موبيل – تصف فنزويلا علناً بأنها (غير قابلة للاستثمار في الوقت الراهن).
بينما تكتفي – شيفرون – وهي الشركة الأميركية الوحيدة العاملة هناك بتوسيع محدود ومدروس، دون التزام بضخ إستثمارات إستراتيجية كبرى.
ترامب روّج لفكرة أن الشركات الأميركية ستضخ ما يصل إلى 100 مليار دولار لإحياء قطاع النفط الفنزويلي، مقدّماً ذلك كإنجاز سياسي واقتصادي. غير أن الواقع يُظهر أن هذه الوعود تصطدم بجدار السوق. فالشركات الكبرى المدرجة في البورصات لا تتحرك وفق الرغبات السياسية، بل وفق منطق المخاطر والعائد، وحماية حقوق المساهمين.
هذا التباين يعكس أيضاً حدود قدرة البيت الأبيض على إجبار القطاع الخاص على تبنّي استثمارات عالية المخاطر، حتى في ظل حوافز سياسية أو تخفيف جزئي للعقوبات.
والنتيجة فجوة بين الخطاب السياسي والقرار الاستثماري، تُضعف سردية ترامب حول – السيطرة الأميركية – السريعة على النفط الفنزويلي.
فشل إقناع الشركات الكبرى بالاندفاع نحو فنزويلا يتقاطع مع مسار أوسع في سياسة ترامب الخارجية، يقوم على التصعيد ورفع سقف الطموحات الجيوسياسية. ففي الوقت الذي يضغط فيه على ملف النفط الفنزويلي، عاد إلى طرح أفكار تتعلق بتعزيز النفوذ الأميركي في مناطق استراتيجية مثل غرينلاند، في إطار رؤية توسعية للسيطرة على الموارد والممرات الحيوية.
بالتوازي، تتصاعد التوترات مع إيران، سواء عبر تشديد الخطاب أو إعادة التلويح بعقوبات وضغوط سياسية واقتصادية. هذا الترابط ليس تفصيلاً، إذ يعكس محاولة لتعويض الإخفاقات الاقتصادية أو الاستثمارية عبر رفع منسوب المواجهة السياسية، وتحويل الأنظار من تعقيدات السوق إلى صراعات النفوذ.
ما تكشفه حالة فنزويلا هو أن الاقتصاد لا يُدار بالشعارات، وأن كبرى الشركات الأميركية لا ترى في الوقت الراهن مبرراً لتحمّل كلفة استثمارية وسياسية لا تتناسب مع العائد المتوقع.
وفي المقابل، يبدو أن إدارة ترامب، أمام هذا الفتور، تميل إلى تصعيد ملفات أخرى – من غرينلاند إلى إيران – في محاولة لإعادة رسم مشهد القوة الأميركية عالمياً.
لكن التجربة تؤكد أن الجغرافيا السياسية، مهما ارتفع صوتها، لا تستطيع إلغاء حسابات السوق. فحين تقول الشركات (غير مجدٍ) فإن السياسة، مهما كانت صاخبة، تجد نفسها مضطرة في النهاية للاصطدام بميزان الربح والخسارة.
Related Posts







