دقّت ساعة الحقيقة في طرابلس، فالأبنية المتصدعة بدأت تتساقط تباعاً، وتتحوّل الشقوق في الجدران إلى تهديد مباشر لحياة السكان.
آخر المآسي كانت في منطقة القبة، حيث انهار أحد المباني السكنية ودفن قاطنوه تحت الأنقاض، فيما لا يزال مصير “ملاك الرحمة” أليسار مجهولا تحت الحجارة، بالرغم من الجهود المضنية التي تبذلها فرق الإنقاذ، وذلك بعد وفاة والدها ونجاة والدتها وشقيقتها وشقيقها، في حادثة أعادت فتح جرح المدينة المزمن مع الأبنية الآيلة للسقوط والذي بدأ مع إنطلاق العام الجديد بسقوط مبنيين الأول في ضهر المغر والثاني في السراي العتيقة من دون سقوط ضحايا.
في أعقاب الكارثة، أعلنت بلدية طرابلس حالة الطوارئ، وهي سبق أن قامت بحملة مسح شاملة للأبنية المتصدّعة، كاشفة عن واقع خطير: 705 أبنية متصدّعة في مناطق متفرقة من المدينة لا سيما في القبة، التبانة، السويقة، باب الرمل والأسواق، منها 105 في حالة خطرة جداً وتحتاج إلى ترميم فوري لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح وممتلكات قبل فوات الأوان.
وكما في كل كارثة إنسانية، تتوالى بيانات الاستنكار والشجب، ويعلن المجتمع المدني رفع حالة الجهوزية، فيما البلدية تؤكد قيامها بواجباتها التقنية والإدارية بما في ذلك توجيه الإنذارات للأهالي في المباني المتداعية. إلا أن المدينة، التي اعتادت على الخطط غير المكتملة، لا تزال تنتظر خطة واحدة متوافقاً عليها وقابلة للتنفيذ.
في غضون ذلك، يُعقد اليوم لقاء في السراي الكبيرة يجمع رئيس الحكومة نواف سلام بنواب طرابلس ورئيس بلدية المدينة الدكتور عبد الحميد كريمة ورئيس اتحاد بلديات الفيحاء الدكتور وائل زمرلي وعدد من المعنيين، لوضع ملف الأبنية المتصدّعة وتداعياتها الكارثية على طاولة البحث.
ويعوّل الطرابلسيون على أن يخرج هذا الاجتماع من دائرة الشعارات الكبرى للحكومة حول حصرية السلاح واستعادة السيادة وقرار السلم والحرب، في ظل العدوان الإسرائيلي المستمر، إلى الاهتمام بشؤون الناس اليومية وحمايتهم وتأمين سلامتهم في منازلهم.
وتشير المعلومات إلى أن نواب المدينة سيطالبون رئيس الحكومة بتخصيص مبلغ عشرة ملايين دولار لطرابلس للبدء بأعمال الترميم، فيما يطرح رئيس البلدية إلى جانب ذلك خطة مستعجلة لإعادة تأهيل البنى التحتية في منطقة ضهر المغر – القبة، حيث تقبع الأبنية فوق بحر من المياه نتيجة اهتراء شبكات الصرف الصحي بشكل كامل ما يهدد المنطقة بكاملها. كما تتضمن الاقتراحات تفعيل لجنة الكوارث، ووضع خط ساخن لتلقي شكاوى المواطنين الذين يشعرون بخطر انهيار منازلهم.
غير أن هذه الإجراءات تبقى ناقصة ما لم تقترن بخطة لدفع بدلات الإيواء للعائلات المتضررة، بما يتيح لها استئجار مساكن مؤقتة بعيداً عن خطر الانهيار، وهو البند الأكثر حساسية في ظل الأوضاع الاقتصادية الخانقة، وهذا ما طالب به أمس قاطنو مبنى المصري في التبانة الذين رفضوا ترميم المبنى بوجودهم فيه خوفا من إنهياره وطالبوا ببدلات الإيواء التي تساعدهم على الانتقال إلى مكان آخر.
اليوم، تضع طرابلس الحكومة أمام اختبار حقيقي لمسؤولياتها. فإما أن تبادر إلى عملية إنقاذية جدية تتجاوز البيانات والخطط الورقية، أو أن تُدخل الملف في دوامة التمييع والمماطلة وشراء الوقت، وعندها ستكون كل ضحية جديدة تسقط تحت أنقاض منزلها مسؤولية مباشرة على عاتق الحكومة.
في مدينة دفعت ثمناً باهظاً للإهمال المزمن، لم يعد الترف السياسي مقبولاً ولا المنافسات الانتخابية ولا الخلافات وتسجيل النقاط، بل يُفترض أن يتحمل لبنان الرسمي مسؤوليته تجاه عاصمته الثانية طرابلس التي تنتظر اليوم قراراً حاسما وليس بياناً، وخطة تنفيذية عاجلة، وليس وعوداً جديدة.






