لبنان في مرمى الخطر.. هل تعي الحكومة واجباتها إزاء الشعب؟!.. وسام مصطفى

أصبحت الساحة اللبنانية “مدوزنة” على وقع عاملين باتا متلازمين في الضفتين اللبنانية والإسرائيلية، فما إن تعقد حكومة نواف سلام جلسة لها أو يطلق الأخير أو أي وزير من “سياديي السفارات” مواقف تتعلّق بحصرية السلاح حتى تنطلق حكومة بنيامين ننتنياهو بجولة غارات جوية تدّمر بيوت المدنيين في الجنوب اللبناني، وبسلسلة استهدافات مسيّرة تقتل مواطنين أبرياء عاملين في الحقول الاجتماعية والتنموية والبلدية؛ ولا ينفكّ هذا الارتباط عن حملات الضغط السياسي التي يمارسها العدو بالنار والدمار باتجاه استكمال مخطّط نزع سلاح المقاومة في مناطق شمالي الليطاني بذريعة الحصرية وتمكين الجيش اللبناني من بسط سلطته على كامل الأراضي اللبنانية، وهو عنوان الانجازات الكبيرة في مرحلتها الثانية التي أعلنت حكومة سلام عزمها على القيام به في المرحلة المقبلة.

ما سبق يختزل إشكالية خطيرة تعصف بلبنان، متعدّدة الأبعاد في تناقضاتها وعميقة المستويات في انقساماتها، فمن جهة تقف الدولة اللبنانية عاجزة ومكبّلة عن فعل أي شيء حيال العدوان الإسرائيلي الذي بدأ يتصاعد شيئاً فشيئاً ليستعيد وتيرة حرب أيلول 2024 ولكن بوتيرة مضبوطة السقف ومحدّدة الأهداف، ومن جهة ثانية تصعّد الإدارة الأمريكية ضغوطاتها السياسية على لبنان والمنطقة وسط تحشيد عسكري غير مسبوق، وينذر بحرب وشيكة قد تبدأ بمهاجمة إيران ولا أحد يعرف كيف تتطوّر تداعياتها لتهدّد المنطقة بأكملها والعالم بأسره، ويبدو أن الحكم في لبنان انساق في تأثره بهذا الأجواء الملتهبة ليبدأ ببناء مواقف متقدّمة تتناقض مع الوعود والعهود التي تضمّنها خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري، وهو ما يتطلّب إحراز اتفاق داخلي حرصاً على الاستقرار السياسي والأمني الداخلي.

وإذا تجاوزنا التعليق على التعابير التي وردت في خطاب رئيس الجمهورية العماد جوزف عون خلال استقباله السلك الدبلوماسي حول “تنظيف منطقة جنوب الليطاني من السلاح اللاشرعي”، وكلام سلام حول “بسط سلطة الدولة في الجنوب للمرة الأولى منذ خمسين عاماً”، وما سبق من تعبير ساقه وزير خارجية “قوات جعجع” حول عودة وزارته لبنانية وتسويغ اعتداءات الاحتلال بحق لبنان أرضاً وشعباً ومؤسسات، ولكن لا بد من التوقف عند جملة من الاعتبارات التي يجدر بحكومة سلام الالتفات إليها في سياق اضطلاعها بمسؤولياتها الرسمية والقانونية قبل واجباتها الاجتماعية وخدماتها العامة بحق شريحة كبيرة من الشعب تعرّضت ولا تزال للاستهداف المباشر من قبل العدو.

أولاً: إن الطرف الذي يعتدي على لبنان أي “إسرائيل” لا يزال مصنّفاً على أنه عدو، وينصّ على ذلك الدستور اللبناني والقوانين والتشريعات القضائية والعقيدتين السياسية والعسكرية للمؤسسات الرسمية والقوى والأجهزة الأمنية، وأي تهاون أو تعامل مع هذا العدو قولاً وفعلاً أو اتصالاً أو مهادنة يعدّ جريمة موصوفة تستوجب التوقيف والمحاسبة والعقاب، ولا استثناء في هذا الأمر بذريعة حرية الرأي وحقوق الفرد وحرية الإعلام، فكيف تسمح هذه الدولة للأصوات التي تدعو إلى عقد اتفاقية سلام مع هذا العدو والتي تحرّضه على المضي في جرائمه قتلاً وتدميراً وتهجيراً بحق شريحة كبيرة من الشعب اللبناني!؟ أليس في ذلك توهيناً للدولة وتغليباً للعدو وتشريعاً سافراً لعدوانه!؟

ثانياً: إن الشخصية المعنوية والقانونية والدستورية لأي دولة في العالم تقضي باستنفار القوى الرسمية وتجنيد الأطر الشعبية للدفاع عن استقلال هذه الدولة وسيادتها وحدودها حين تعرّضها لأي عدوان أو تجاوز من أي دولة أخرى، سواء أكان سياسياً أو عسكرياً أو بأي طريقة أتى هذا العدوان، ولكن العجب في النموذج اللبناني أنه لا يقف في مواجهة العدوان الإسرائيلي إلا بالمواقف والبيانات الظرفية دون أي فعل حقيقي على الأرض لردعه، وبدل أن يجنّد كل الطاقات الرسمية والشعبية في إطار هذه المواجهة نجد الحكم يفاخر بعدم إطلاق رصاصة واحدة على “إسرائيل” خلال عام كامل فيما تمعن في اعتداءاتها بحق لبنان وحدوده وسيادته وشعبه وجيشه براّ وجواً وبحراً غير عابئة بسيادة أو حدود، وتضرب عرض الحائط – كما فعلت على مدى أكثر من سبعين عاماً – الأطر الدبلوماسية والمواثيق والقرارات الدولية متسلّحاً بالمطرقة الأمريكية التي تطبق بهيمنتها على القرار اللبناني.

ثالثاً: إن لبنان بدولته ومؤسساته وشعبه ضحية التمادي العدواني الأمريكي – الإسرائيلي، وهذا ما يمنحه الحق في ممارسة كل السبل لتحرير أرضه واسترجاع مواطنيه الأسرى لدى العدو وإعادة إعمار ما هدمّه العدوان، ولكننا نرى أن أياً من هذه الأمور الجوهرية لم يتحقق حتى الآن ولو جزئياً بذريعة الفيتو الأمريكي، كما أن ما سمّيت بلجنة “الميكانيزم” المولجة بمراقبة وقف إطلاق النار تحوّلت إلى منصّة عسكرية – أمنية بيد الأمريكي، وبدل أن تعمل على ردع العدوان نراها تجتهد كلجنة رقابة على سلاح المقاومة وتسيّر عمليات الجيش اللبناني في الكشف عن مستودعات السلاح وفق إملاءات العدو، وما يدعو للأسف أن الجانب اللبناني يتمسك بهذه اللجنة على أنها إنجاز ينبغي التمسك به لتوفير الأمن فيما تسعى “إسرائيل” إلى تحويلها إلى إطار تفاوضي سياسي – أمني لاستدراج مزيد من التنازلات اللبنانية.

رابعاً: إن الثقة هي العامل الأساسي الذي يربط ما بين أي شعب ودولته، وإذا فُقد هذا العامل فإن الدولة تفقد ركناً مركزياً لوجودها وكينونتها، وما نجده اليوم من تنكّر لحقوق الناس في الجنوب والبقاع وفي أي مكان يتعرّض للعدوان الإسرائيلي وتجاهل مقصود لمطالباتهم المحقّة بالأمن والطمأنينة والعيش الكريم يطرح تساؤلات كبيرة عن رؤية الحكومة لهذه الفئة من الشعب، وهل تعدّ نفسها معنية بمتابعة شؤونهم وأوضاعهم وتأمين عودتهم الكريمة إلى قراهم وإعمار منازلهم المهدّمة!؟ وإذا كانت الحكومة تتّخذ موقف الخصومة إزاء المقاومة فلماذا تعمد إلى معاقبة الناس وحرمانهم من أدنى حقوقهم المشروعة، فقط لأنهم يعدّون أنفسهم بيئة المقاومة وأهلها!؟ هل ترى الحكومة في موقفهم هذا تعارضاً مع مبدأ المواطنة والانتماء للبلد!؟

إن القضية الإشكالية التي يرزح لبنان تحتها اليوم باتت تستوجب من أصحاب القرار في الدولة اللبنانية التوقف عندها مليّاً إذا ما أرادوا الحفاظ على هذه الدولة ومقدّراتها العامة، فنذر الحرب التي تروّج لها الإدارة الأمريكية وتشحذ “إسرائيل” من أجلها سكاكين حقدها لن يسلم منها أحد، وإذا ظنّ البعض أنه سيكون بمنأى عن السقوط فلا بد أن يعي التاريخ ويقرأ التجارب المهينة التي حصدها كل من راهن على الأمريكي والإسرائيلي، والحل الوحيد والأصلح هو بعودة الكلّ إلى لبنان والإيمان به وطناً سيداً مستقلاً يحكم نفسه بنفسه، وليس تابعاً لسفير أو مندوب سامٍ يتحكّم به كيفما شاء.

 

 

 

Post Author: SafirAlChamal