كتب غسان ريفي
ليست اسماً عابراً في الصحافة، بل تجربة إنسانية ومهنية تُكتب بالحبر والتعب، وتُقرأ بالقلب قبل العين، الصحافية الدكتورة نجلة حمود هي من جيل آمن بأن الصحافة ليست مهنة فحسب، بل التزام أخلاقي وانحياز صريح للناس، أولئك الذين يعيشون على هامش الحياة ويحتاجون الى من يتطوع ليكون صوتهم.
في جريدة السفير، وعلى مدى أكثر من عقد ونصف العقد من الزمن، لم تكن نجلة تكتب من خلف المكاتب، بل من قلب عكار، من طرقاتها الوعرة، ومن بيوت أهلها المثقلة بالفقر والحرمان والقلق، في أحلك الظروف وأدقّها، من تداعيات الثورة السورية إلى التوترات الأمنية، ومن وجع الناس اليومي إلى قضاياهم المنسية، كانت هناك دائماً صحافية تحمل القلم والكاميرا والجرأة والشجاعة، تنجز تحقيقاتها بحرفية ليس بحثاً عن الإثارة، بل عن الحقيقة، وصولا الى توثيق نزيه لواقع قاسٍ.
بعد إقفال السفير، لم ينكسر القلم، بل واصل رحلته في سفير الشمال وجريدة الأخبار، حيث نجحت نجلة حمود في ترسيخ حضورها كصوت عكاري صادق، وإلى جانب عملها الصحافي، أثبتت جدارة إضافية في تجربتها مع النائب أسعد درغام، حيث أظهرت قدرة عالية على الجمع بين المعرفة الميدانية والفهم السياسي، وبين الالتزام المهني والمسؤولية العامة، ما عزّز صورتها كإعلامية تعرف موقعها ودورها وحدودها.
ما يميز نجلة حمود هو هذا الإصرار الصامت على تطوير الذات، فشغفها بـ”مهنة البحث عن المتاعب” لم يمنعها من ملاحقة حلمها الأكاديمي، فتابعت دراستها في المعهد العالي للعلوم الانسانية والإجتماعية بإصرار لافت رغم صعوبات العمل وضغوط الحياة ومسؤوليات العائلة، إلى أن نالت شهادة الدكتوراه اللبنانية بدرجة جيد جداً، ولم تكن الشهادة تتويجاً شكلياً، بل إضافة نوعية لمسيرتها، حيث جمعت طرفيّ المجد، وقرنت الاحتراف الصحافي بالبحث العلمي، وربطت التجربة الميدانية بالتحليل الأكاديمي الرصين.
الدكتورة نجلة حمود هي نموذج للصحافية التي لم تساوم على قناعاتها، وللباحثة التي خاضت غمار العلم لتحقق ذاتها ولتغني مكتبة الجامعة اللبنانية بأطروحة قالت عنها لجنة المناقشة أنها “إنتحارية” كونها تتضمن خزانا من المعلومات المثيرة التي توثق حقبة غير عادية من الزمن، وهي قصة امرأة اختارت أن تكون جسرا بين الحقيقة والإنسان، وأثبتت أن الصحافة حين تتكئ على العلم تصبح أكثر عدلا وأكثر إنسانية وأكثر قدرة على صناعة الأمل.




