مخالفات السير اليومية.. حين تتحوّل القيادة إلى مرآة لانحدار القيم!.. بقلم: المحامية سوزان السيد

لم تعد القيادة فعلًا اعتياديًا نمارسه بهدوء، ولا فنًّا يعكس ذوق الإنسان ووعيه، بل أصبحت حالة استنفار يومية نخوضها منذ لحظة انطلاقنا حتى وصولنا إلى أعمالنا. نقود اليوم بقلق دائم، نراقب الطريق لا بحذر طبيعي، بل بخوف حقيقي من مفاجآت لا تحكمها قواعد ولا يردعها ضمير.

يتوزّع هذا الخوف بين حرص على مركباتنا من عبث مستهتر قرر أن يسير عكس الاتجاه أو يتجاوز بلا اكتراث، وبين خوف أعمق على أنفسنا من الوقوع في فخ الانفعال والتعصيب، فنفقد ما تبقّى من اتزاننا وهيبتنا الإنسانية أمام استفزاز يومي متكرّر.

على الطرقات، تتراكم مشاهد الفوضى حتى تغدو مألوفة، فينشأ إحساس ثقيل بأن بعض من يقودون لا ينتمون إلى الطريق بمعناه الحقيقي؛ غرباء عن ثقافته، عن إيقاعه، وعن القيم غير المكتوبة التي تجعل من القيادة فعل مشاركة لا فعل استحواذ. يتعاملون مع الشارع كملكية شخصية، لا كحيّز عام يفترض أدنى درجات المسؤولية والاحترام المتبادل.

إن الشعور اليومي بالاشمئزاز ليس مبالغة ولا ترفًا لغويًا، بل نتيجة طبيعية لتآكل الضمير الجمعي وغياب الردع الذاتي قبل القانوني. فالقضية لم تعد مجرّد مخالفات تُحصى أو غرامات تُفرض، بل خلل عميق في منظومة القيم، حيث يصبح الخطأ قاعدة، والالتزام استثناء، والسلامة أمرًا ثانويًا.

من هنا، فإن التغيير الحقيقي لا يكون من الإشارات ولا من دفاتر المخالفات وحدها، بل بخطوة بسيطة خالية من التعقيد، لكنها حاسمة: أن نختار، كلٌّ من موقعه، أن يكون جزءًا من الحل لا من الفوضى، وأن نعيد للقيادة معناها الإنساني، وللطريق صفتها كمساحة مشتركة تقوم على الاحترام لا على الغلبة، فالتزام فرد واحد قد يمنع حادثًا، وهدوء سائق قد يجنّب مأساة، ووعي صغير قد يصنع فرقًا كبيرًا.

كما أن للدولة والبلديات والإعلام دورًا أساسيًا في دعم هذا المسار، إلا أن الأساس يبقى في الضمير الفردي الذي يحوّل القانون من نص جامد إلى سلوك يومي، حينها فقط، يمكن للطرق أن تستعيد أمانها، وللمدينة إيقاعها، وللقيادة أن تعود فعلًا حضاريًا يعكس ما نطمح إليه من مجتمع أكثر وعيًا واحترامًا.

الطريق ليس مجرد مسار نعبره… بل مساحة تعكس من نكون، وإلى أي مجتمع نطمح.

 

 

 

Post Author: SafirAlChamal