في كلمته أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، اطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب مواقف أثارت القلق الدولي، ليس بسبب تهديد عسكري مباشر، بل نتيجة ما حملته من إشارات واضحة إلى استخدام القوة غير العسكرية لفرض الإرادة الأميركية على العالم، وفي الطليعة أوروبا. خطاب ترامب أعاد تعريف الصراع الدولي من منطق الدبابات والصواريخ إلى منطق القوة الناعمة الخشنة سواء عبر الاقتصاد، العقوبات، الضغط السياسي، والتحكم بمفاصل الطاقة والأسواق كبديل عن حروب لم تعد الولايات المتحدة الاميركية مضطرة إلى خوضها بتكاليفها الباهظة بل ستعتمد حسب ما لوح له الخطاب على النفوذ المالي، التحكم بسلاسل التوريد، إضافة إلى التهديد بالعقوبات التجارية.
هذا المنطق يعكس تحوّلًا في العقيدة الاميركية: إخضاع الخصوم من دون إطلاق رصاصة واحدة، وجرّ الحلفاء إلى الاصطفاف القسري عبر المصالح لا القيم.
“نريد غرينلاند” قالها ترامب في دافوس السويسرية من دون اي احراج، فالجزيرة اما تكون لنا والا سنتذكر، مهدداً حلف الناتو.
غرينلاند الجزيرة ذات الحكم الذاتي تحت المظلة الدانماركية تمثل كنزاً استراتيجياً من حيث الموارد الطبيعية والموقع الجغرافي وأطماع واشنطن فيها ليست وليدة الساعة الا ان ترامب اختار دافوس لاحراج حلف الناتو ولتهديد القارة العجوز التي يريد رئيس اميركا ان تسير كل الدول الاوروبية في ركبه وتتماشى خانعة مع ما يقرره او يعتبره مناسباً لبلاده حتى لو على حساب بلدان اخرى مثل “الدانمارك التي كانت لتتحدث اليابانية” لولا اميركا على حد قوله.
اليوم باتت أوروبا بين المطرقة والسندان فهي الحلقة الأضعف، اذ من جهة هي مرتبطة أمنياً بالولايات المتحدة عبر حلف شمال الأطلسي، ومن جهة أخرى مهددة اقتصادياً بعقوبات أو حروب تجارية إذا ما خالفت الرؤية الأميركية.
إلى أين يتجه العالم الذي يحاول ترامب ان يسيطر عليه لا عسكرياً بل اقتصادياً؟ على ما يبدو اننا في مرحلة إكراه ناعم، حيث تُستبدل الحروب التقليدية بحروب نفوذ باردة، تدار من غرف الاقتصاد والمؤسسات الدولية لا من ساحات القتال بما يؤدي الى استنزاف الدول الضعيفة لاخضاعها بالكامل.
في المحصلة، خطاب ترامب في دافوس لم يكن مجرد استعراض سياسي، بل إعلان غير مباشر عن نظام عالمي جديد تدار فيه الصراعات من وراء المكاتب بدل الجيوش ليبقى السؤال: هل تمتلك أوروبا الجرأة على كسر هذا المسار، وهل تمتلك القدرة، أم أنها ستبقى ساحة اختبار للقوة الأميركية التي يريدها ترامب ناعمة ويصبح بالتالي هو قائد العالم الجديد؟.




