صحيح انّ الخلود فكرة أسطورية تُروى في الملاحم القديمة، لكنه تحقق في زمن الذكاء الاصطناعي تحت ما يُسمى بالخلودالرقمي. والسؤال الذي كان يومًا فلسفيًا بحتًا، أصبح اليوم تكنولوجيًا بامتياز: هل يمكن لحساباتك أو رسائلك الالكترونية أونبرة صوتك، أن تتحول إلى نواة لابتكار نسخة رقمية من كيانك وتستمر في الكلام بعد رحيلك وفنائك؟
انّ هذا الاحتمال لم يعد خيالًا علميًا اليوم، خاصة بعد أن طوّرت شركات ناشئة في الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وبريطانيا ما يُعرف بـ “Deathbots” أو “Soulbots” وهي روبوتات محادثة تُدرّب على أرشفة حياة الانسان ورسائله ومنشوراته وصوته وانفعالاته، بهدف محاكاة شخصيته بعد مماته. وعلى غرارها برنامج “Replika” الذي بدأ كنموذج للدردشة ثم تطور ليتيح إنشاء نسخة رقمية للمستخدم. كذلك، مشروع “HereAfter AI” الذي يبتكر أرشيفًا صوتيًا لأفراد يمكن التحاور معهم بعد وفاتهم، فيجيب النظام بنبرة قريبة جدًا من الأصل كما لو أن الميت حيًا يرزق او ان الموت لم يحصل اساسًا! فيصبح الراحل نسخة ومحاكاة تقع في منطقة غامضة بين الحياة واللاوجود، ذلك الشعورالذي يسميه علماء الروبوتات اليوم ب “الوادي الغريب”، أي المكان الافتراضي او اللامكان الذي يبدو فيه الشيء قريبًا جدًا من الإنسان والواقع.
وهنا يتبادر الى اذهاننا أسئلة وجوديّة: هل الروح الرقمية مجرد أداة لتخفيف ألم الفراق الابدي؟ أم أن الانسان أمام كيان جديد؟ من يملك النسخة الرقمية للميت؟ هل تصبح ملكًا للورثة؟ أم للشركة التي حفظت البيانات؟ أم تبقى، بشكل غريب، ملكًا لمن لم يعد موجودًا؟ كيف يصبح الموت الذي كان نهاية قاطعة، امتدادًا رقميًا يتكلم فيه الشخص من وراء الغياب؟ والجواب أنّ التقنية اليوم أصبحت تتجاوز قدراتنا على التفكير، ونحن نسابق آلة لا نفهمها بالكامل، لكن يبقى الجانب القانوني ملزمًا لأجل المواكبة والمتابعة والمراقبة والضبط. ففي أوروبا مثلًا، تحرّكت لجان قانونية بهدف مناقشة حقوق”الذاكرة الرقمية”، و “حق الإنسان في أن يموت رقميًا”، وظهر مصطلح جديد يُسمى ب “الرفات الرقمية” Digital Remainsتماهيًا مع اشكاليات كثيرة مثل مسألة الخوف منالتلاعب بالشخصية بعد الوفاة وانتهاك حرمة الموت، فماذا لو استُخدمت النسخة الرقمية للميت في الإعلانات؟ أو في التأثير على الورثة؟ أو لإعادة كتابة تاريخ المتوفى بطريقة لم يقصدها أو يردها أبدًا؟
الموت من منظور فلسفي، هو ما يعطي الحياة قيمتها الحقيقية. لكن حين تتحول كل كلمة كتبها الانسان وكل نبرة لصوته إلى مدخل لخوارزمية رقميّة، يصبح وجوده مفتوحًا لإعادة التكوين الى اللانهاية. فهل يمنعنا الذكاء الاصطناعي من “الراحة الأبدية”؟ كيف لنا ان نبكي موتانا في ظل حضورهم الرقمي المستمر بيننا في حياتنا الواقعية؟ ربما لا يكون الخلود الحقيقي في إبقاء النسخة الرقمية على قيد الحياة، بل في أن يواصل الأحياء مسيرتهم من دون شبحٍ رقمي يطلّ من خلف الشاشة. انه عصر جديد يعيد تعريف الوفاة والذكرى والعلاقة بين الاحياء والموتى. وما نحتاجه اليوم ليس المزيد من التقنية، بل حدود واضحة قبل ان يصبح الذكاء الاصطناعي الوصي الأخير على من نتركهم خلفنا، وقبل أن تفقد الحياة معناها حين تتفكك حدودها.
انّ الأمر يتجاوز التقنية في زمن الذكاء الاصطناعي، لأن الإنسان يعيد اختراع شكل الخسارة في الموت وطريقة الحزن وحدود الذكرى. إنها ليست مسألة أجهزة وبرامج، بل مسألة إنسانية. هذا العالم الحديث يحتاج إلى تشريعات أخلاقية وقانونية عاجلة، قبل أن يتحول الذكاء الاصطناعي إلى الحارس الوحيد لبوابة ما بعد موت الانسان. فالجيل القادم لن يرث صورًا وذكريات فقط… بل نسخًا كاملة من أشخاص أحبّوهم… نسخًا قد تواصل الكلام والتفاعل والتخاطب معهم… إلى ما لا نهاية!..
الكاتب: البروفسورة وديعة الأميوني
أستاذة جامعية وباحثة اجتماعية





