غادر البابا لاوون الرابع عشر لبنان حاملا “وطن الأرز” في قلبه، بعد ثلاثة أيام أمضاها في ربوعه تميزت بحفاوة بالغة، وبتنظيم دقيق بروتوكوليا وأمنيا ولوجستيا أظهر قدرة عهد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون على التعاطي الحازم مع الاستحقاقات الكبرى ونجاحه على كل الصعد من دون أي شائبة تذكر، حيث قدم صورة مشرقة عن لبنان من شأنها أن تضاعف من ثقة الفاتيكان والمجتمع الدولي به.
إنتهت الزيارة التاريخية تاركة وراءها رسائل عدة أبرزها:
أولا: أن لبنان ما يزال يحظى بإهتمام خاص من الكرسي الرسولي المطلع على أزماته السياسية والاقتصادية والأمنية.
ثانيا: الحفاظ على صيغة العيش المشترك في لبنان وعلى ميزته الفريدة كمساحة تلاق وحوار في هذا المشرق.
ثالثا: حماية دور لبنان ودور المسيحيين فيه بما يشكل ضمانه للحضور المسيحي في الشرق.
رابعا: تكريس موقع بكركي الروحي والاستفادة منه كمنصة حوار بين المسيحيين خصوصا وبين مختلف الأطراف اللبنانية عموما.
خامسا: تثبيت صيغة التعايش المسيحي الاسلامي من خلال اللقاء الروحي الجامع الذي ترأسه البابا في ساحة الشهداء.
سادسا: تعزيز صورة لبنان كبلد يستحق الحياة وقابل للإستثمارإذا ما توفرت الظروف المؤاتية لذلك.
في الشكل، فإن زيارة البابا ليو الرابع عشر الى لبنان كانت جامعة حيث إحتشد اللبنانيون بمختلف طوائفهم ومذاهبهم وتوجهاتهم ومناطقهم لإستقباله على الطرقات وفي المقرات والصروح الدينية التي دخلت ضمن برنامجه، وفي القداس الإلهي الذي ترأسه عند الواجهة البحرية.
أما في المضمون، فإذا كانت الزيارة قد وحدت الشعب المسيحي خلف البابا ووقفوا جنبا الى جنب في إستقباله، فإن ذلك لم ينسحب على التيارات والأحزاب المسيحية الذين لم تنجح الزيارة في توحيدهم أقله على القضايا الروحية والانسانية والاجتماعية، وفي تقريب وجهات النظر فيما بينهم، وفي تهدئة التوتر المتنامي في مواقفهم وتصريحاتهم، ما يؤكد أن الساحة المسيحية في لبنان قد دخلت مرحلة من الانقسام لم تعد المناسبات الروحية الكبرى قادرة على إحتوائه.
وبدا واضحا أن كل تيار مسيحي أراد الاستفادة من الزيارة البابوية لتعزيز حضوره في ساحته وتحقيق مكاسب سياسية على أبواب الاستحقاق الانتخابي، كما فرضت التجاذبات والصراعات نفسها على تفاصيلها.
وفي هذا الإطار، شكل البروتوكول الذي إعتمدته دوائر القصر الجمهوري في توجيه الدعوات لإستقبال البابا لاوون الرابع عشر، عقدة بالنسبة للقوات اللبنانية والنائبة ستريدا جعجع التي إستغربت عدم دعوة زوجها الى قصر بعبدا لإستقبال البابا، وقد ترجم ذلك بمقاطعة سمير جعجع للزيارة وللقداس الإلهي، وترك المجال للجيش الإلكتروني القواتي بالهجوم على رئيس الجمهورية وعلى التنظيم المعتمد، بشكل أساء للقوات أكثر مما أساء للآخرين، بعدما تبين أن ثمة محاولات قواتية للتشويش على الزيارة وعلى كل التفاصيل المتعلقة بها، وعلى عهد العماد جوزاف عون الذي يخشى القوات من نجاحه وإستقطابه اللبنانيين، خصوصا أن أي شخصية مسيحية ناجحة أو شعبية تتحول حكما الى خصم للقوات اللبنانية الساعية الى إحتكار الساحة المسيحية لها ولشعاراتها، والى أن تبقى العنوان الأول للتمثيل المسيحي.
وبالطبع، لم يخل الأمر من تسجيل نقاط برتقالية على القوات ما فتح معركة إفتراضية ضارية بين مغردي الطرفين إستكملت المواجهات المستمرة منذ إنهيار إتفاق معراب قبل نحو عقد من الزمن، فضلا عن حزب الكتائب الذي يلعب رئيسه سامي الجميل على تناقضات جبران باسيل وسمير جعجع لتقديم نفسه بصيغة أكثر إعتدالا تكسر الثنائية وتجذب إليه بعض الشارع المسيحي الذي سئم الحروب المستعرة في ساحته.
لا يختلف إثنان على أن العهد سجل نقطة نجاح لافتة في الزيارة البابوية، لكن في الوقت نفسه يمكن القول، إن رسائل الحبر الأعظم الداعية الى الوحدة المسيحية والى وقف السجالات بقيت معلقة في الهواء، فالخلافات تزداد عمقا، والحد الفاصل بين الطموح أو الجموح السياسي وبين الإلتزام الكنسي بات هشا الى درجة الإنكشاف!..






