قصيدة اليوم ..  “مهرجان الحزن ” شعر محمد الديراني 

في مبادرة لإدارة جريدة ″سفير الشمال″ اللبنانية بالتعاون مع مكتبها في سيدني أستراليا تنشر قصيدة اليوم لأحد شعراء الإغتراب في أستراليا وأميركا والمهجر، وذلك للمساهمة في نشرها لقرأئها المنتشرين حول العالم..

مهرجان الحزن

في زمنٍ

صارت فيه السلطةُ مرآةً مشروخةً،

تكسّرتْ فيها وجوهُ البشرْ

وباتتْ الحقيقةُ بَدلًا…

كلٌّ يراها كما يُملى عليه،

أو كما يخافُ أن يراها!

في هذا الزمنِ

أستيقظُ أحيانًا على حلمٍ ليس لي،

وأغفو على صوتِ ذاكرةٍ تُعاتبني،

أتجاوزني…

وأعودُ إليّ،

خائفًا من أن أكون طرفًا

في صمتٍ يتواطأ مع الطغيان.

لكنني،

رغم كلّ هذا الانقسام،

أحملُ قلبي كما هو،

وأمضي…

لأكون

“مهرجانًا من الحزن”

وإن وُلِد من عمق الحزن.

أنا ابنُ هذه الأرض،

لا أملكُ خريطةً واضحةً لروحي،

لكنني أُحسُّها تتكسّرُ كلّما مرّتْ

قوافلُ الجندِ،

ومزاميرُ الإعلامِ،

وفتاوى الصمتِ باسمِ الحقيقة.

أرى الأطفالَ يكبرون بعيونٍ خائفة،

وأنا…

أختبئُ في رجفةِ السؤال:

هل نحن أحياء؟

أم مجردُ شهودٍ

على جنازاتٍ لا تنتهي.

يسألونني: لمَ تكتب؟

أقول:

لأنني لا أملكُ سلاحًا غير الحروف،

ولا وسادةَ نومٍ

إلا ضميري!

ولأنني أخافُ أن أموتَ

من دون أن أصرخَ مرةً

في وجهِ هذا الكونِ المنكسر.

سأقيمُ مهرجانًا من ضحكٍ مكسور،

أعلّقُ فيه أوجاعي على جدرانٍ شفّافة،

وأدعو إليها من يشبهونني:

أولئك الذين لا مكانَ لهم

إلا بين السطور،

ولا راحةَ لهم

إلا في صدقِ الألم.

في ليلِ الغُربةِ الكبرى

أسمعُ الأغاني تُصفَّد،

والحكاياتِ تُقصُّ بلُغةِ المنتصرين،

ويُمحى اسمُ أمي

من دفترِ المدرسةِ

لأنها علّمتني أن أقول: لا!

في هذا الليلِ

لا قمرَ إلا في عينِ عاشقٍ مصلوب،

ولا وطنَ

إلا في صدرِ امرأةٍ تحلمُ بالحبِّ دونَ أن تُجلَد.

أيها الفرحُ المؤجَّل…

كأنك تعرفُ مواعيدي كلها،

فتأتي متأخرًا

مثل قصيدةٍ لم يكتبها الخوفُ بعد.

لكنني – بالرغم من كل شيء –

سألبسُ حزني عباءةَ مُغنٍّ

يجولُ في الأسواق،

يغنّي للعابرين أن الشمسَ

ليست حكرًا على الملوك!

وسأتركُ دمعي يسيلُ

كأنني أقيمُ به طقوسَ الغفران

عن خطايا لم أرتكبها،

لكنني وُلدتُ تحت سقفٍ صمت عنها.

ريشتي عابرة

لا تحتاج إلى جواز سفر،

على نافذتي

لا تنتحب زهور.

وإن وقعتُ،

يبقى عطري

بين الركام.

ريشتي لا تُؤمنُ بالحدود،

ولا تقفُ في طوابيرِ الانتظار.

هي دخانُ نايٍ،

طافحٌ من فمِ شاعرٍ

لم يُمنح حقّ البكاء…

فغنّى!

على نافذتي

ينمو الصمتُ كعشبٍ بريّ،

لكن الزهرَ فيها

يتعلّمُ الصبرَ أكثر من الحنين.

وإن أنا سقطتُ،

فلا تنادوني شهيدًا…

نادوني:

عطرًا نجا من تحت الركام.



Post Author: SafirAlChamal