مع تركيز الاهتمام الدولي على إيران، يتجه تركيز “رواد” الحركة الصهيونية الدينية في إسرائيل نحو غزة.
في موقع للتنزه ونصب تذكاري للجنود الإسرائيليين القتلى، على بُعد بضع مئات من الأمتار من حدود غزة، يخطط رواد إسرائيل الجدد لتوسيع الحدود والاستيلاء على أراض جديدة.
خلال الحرب الإيرانية التي استمرت ستة أسابيع، غاب الاهتمام الدولي عن غزة. لكن بالنسبة لهؤلاء المستوطنين المحتملين، ظلت غزة محط أنظارهم.
يتم توزيع منشورات على الزوار تحمل شعار “غزتنا”، توضح كيف يعتزمون استيطان القطاع بأكمله، وإنشاء مستوطنات في شمال ووسط وجنوب الأراضي الفلسطينية بين الممرات العسكرية الالتفافية التي شقها الجيش الإسرائيلي هناك.
يقول نيري أبراهام، شابٌ فصيحٌ يبلغ من العمر 19 عامًا، ذو شعرٍ مجعّدٍ وقبعةٍ صوفيةٍ محبوكة، وهو يشير بيده عبر الحقول إلى سياج غزة والأنقاض التي تقع خلفه: “سكان غزة عمومًا إرهابيون أو مؤيدون للإرهاب، ولا يستحقون العيش هناك.”
ويضيف: “بإمكان الصالحين البقاء إن أرادوا والعيش بسلام تحت الحكم الإسرائيلي، أما الباقون فيجب أن يذهبوا إلى مصر. والإرهابيون؟ حسنًا، هم إرهابيون، ولا يهمني ما يحدث لهم.”
أبراهام وزملاؤه “صهاينة متدينون”، وهم طليعة حركةٍ اجتماعيةٍ جديدةٍ وجذريةٍ تجتاح السياسة الإسرائيلية ومؤسساتها.
إنهم ملتزمون بإنشاء إسرائيل الكبرى، التي لا تشمل غزة والضفة الغربية فحسب، بل تشمل أيضًا مرتفعات الجولان وأجزاءً من جنوب لبنان.
وبفضل النظامٍ السياسيٍّ الذي منح وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتامار بن غفير سلطةً ونفوذًا هائلين، أصبحوا القوة السياسية والثقافية التي لا يُستهان بها ولها ثقلها في إسرائيل.
يُتقن رجال هذه الجماعة استخدام الأسلحة كما يبرعون في إستخدام التوراة، وهم الآن يُهيمنون على قطاعات واسعة من الجيش الإسرائيلي، ويُشكلون كوادر أساسية في العديد من وحدات الكوماندوز والقوات الخاصة في الخطوط الأمامية.
يقول أفيتشي غودمان، 34 عامًا، وهو ضابط في الجيش الإسرائيلي وحاخام، انتقل والده إلى إسرائيل قبل 40 عامًا، إن نجاح هذه المجموعة يُعزى إلى استعدادها للعمل والخدمة.
وهو، كغيره من المُجتمعين قرب السياج، يُجسد روح الريادة التي ميزت سكان الكيبوتسات القديمة في البلاد، إلى جانب التدين الذي يُميز اليهود الأرثوذكس المتشددين ذوي الملابس السوداء.
يقول غودمان: “عندما تُطلب المساعدة، من يُلبي النداء؟ الصهاينة المتدينون.”
تتسم رؤية الجماعة وأيديولوجيتها بالوضوح والنمطية، وتُستخدم العديد من الحجج نفسها مرارًا وتكرارًا. إنها حجج جاهزة تُستخدم لدحض أي رأي مُخالف.
يذكّر غودمان، وشخصان آخران، صحيفة التلغراف اللندنية بمقولة لرئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة غولدا مائير حول الأسلحة: “لو ألقى العرب أسلحتهم اليوم، لانتهى العنف. ولو ألقى اليهود أسلحتهم اليوم، فستزول إسرائيل من الوجود.”
ولهؤلاء المستوطنين المحتملين منطقهم الخاص والاناني بقدر ما هو جذاب.
يقول غودمان: “لقد تعلمنا أن في الحرب ثنائية واحدة، إما النصر أو الهزيمة. من يختار طريق الوسط، يُلقى عليه اللوم.”
“علينا أن نُعلّم أهل غزة أنهم خسروا الحرب. كيف نفعل ذلك؟ يجب أن نأخذ هذه الأرض منهم.”
“نريد تحقيق نصرًا مطلقاً الآن لمنع نشوب حروب مستقبلية. نريد إنهاء جميع الحروب الآن.”
على الجانب الآخر من السياج في غزة، يقول الناس: “لا حرب ولا سلام.”
عند الاقتراب تنشط الحركة على الطرقات ، مع أن آثار الدبابات التي هرعت إليها في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 لا تزال ماثلة للعيان، لكن القصف المدفعي شبه المتواصل الذي استمر لأكثر من عامين توقف مع دخول وقف إطلاق النار في غزة حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي.
وبالرغم من وقف إطلاق النار ، قُتل أكثر من 720 شخصًا في غزة خلال تلك الفترة على يد القوات الإسرائيلية، ولا تزال الأوضاع داخل القطاع، رغم تحسنها، مزرية.
يقول أبو سعيد البراوي، وهو مزارع يبلغ من العمر 57 عامًا، إن عائلته وعائلات أخرى تعيش كقطط تنقل صغارها من مكان إلى آخر” بحثًا عن الأمان والغذاء والمأوى.”
ويضيف: “أنا مزارع، لكن أرضي التي كنت أزرعها تقع خلف الخط الأصفر الذي تسيطر عليه إسرائيل. كنت أحلم بالعودة إليها بعد إعلان وقف إطلاق النار، لكن لم يتغير شيء ولم نسطيع العودة.”
وصف عابد الهادي قهمن، البالغ من العمر 40 عامًا، من شمال غزة، الشتاء الذي انقضى مؤخرًا بأنه “جحيم.”
قال: “اقتلعت الرياح خيمتنا عدة مرات، وابتلت أمتعتنا، وكنا نكافح لحماية أطفالنا من البرد القارس.
أصبحت الضروريات الأساسية للحياة معدومة. لا يذهب أطفالنا إلى المدرسة؛ لا حقوق لنا، ولا نشعر بالأمان، ولا نشعر أن الحرب قد انتهت. أخشى بشدة أن أُهجّر مرة أخرى، وأعيش في خوف دائم من عودة المجاعة.”
ومن المعجزات أن وقف إطلاق النار في غزة الذي أشرف عليه فريق عسكري أمريكي أرسله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العام الماضي، صمد على مدى الأسابيع الخمسة الماضية، وتستمر عملية السلام ببطء.
وقد شُكّل مجلس تكنوقراطي من الفلسطينيين لإدارة قطاع غزة، ويرفع تقاريره إلى مجلس السلام التابع لترامب ومجلسه التنفيذي، الذي يضم رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير.
رغم ندرة التغطية الإعلامية، نُشرت الشهر الماضي خطة لنزع سلاح حماس، وتنص الخطة على تسليم الأسلحة تدريجيًا على مدى ثمانية أشهر، وانسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل بعد “التأكد من خلو غزة من الأسلحة.” وستُشرف لجنة التحقق من جمع الأسلحة، التي سيُنشئها نيكولاي ملادينوف، السياسي والدبلوماسي البلغاري وعضو مجلس السلام، على عملية نزع السلاح.
وافقت “الجماعة الإرهابية” حماس مبدئيًا على نزع السلاح، ولديها مهلة حتى نهاية الأسبوع لقبول المقترح، مع ترجيح استمرار المفاوضات.
وتُعرب الحركة عن استيائها من عدم التزام إسرائيل بجميع بنود المرحلة الأولى من خطة السلام، مشيرةً إلى انخفاض عدد شاحنات المساعدات التي دخلت غزة عن العدد المُعلن، والضربات العسكرية الإسرائيلية المتكررة، والتضييق الأخير على الخط الأصفر الذي تسيطر عليه إسرائيل.
يوجد تأييد لخطة نزع السلاح داخل غزة، لكن الأمل ضئيل في تنفيذها سريعًا، وهي شروط أساسية للانسحاب الإسرائيلي وبدء عملية إعادة الإعمار.
قال حمزة ك، وهو شاب من غزة يبلغ من العمر 32 عامًا، الأسبوع الماضي: “أنا أؤيد نزع سلاح حماس لأن أسلحتها لم تجلب لنا أي أمن، ولم تحمنا من صواريخ الاحتلال؛ بل كانت ذريعةً وسببًا لقتل أهل غزة.”
وأضاف: “أخشى أن تتراجع حماس عن الاتفاق الذي وقّعته، ما يدفع إسرائيل للعودة إلى الحرب تحت هذه الذريعة.”
تتجه إسرائيل نحو انتخابات عامة في أكتوبر/تشرين الأول، وسيبحث الائتلاف الحاكم بقيادة بنيامين نتنياهو عن أي ذريعة لتقويض عملية السلام في غزة.
ومثل وقف إطلاق النار مع إيران، يُنظر إلى هذا الاتفاق على أنه مفروض على إسرائيل من قِبل الولايات المتحدة، ويرى العديد من الإسرائيليين – كالصهاينة المتدينين أن الضم خيار أفضل.
رؤية استفزازية
في حفل افتتاح مستوطنة جديدة في الضفة الغربية هذا الأسبوع، طرح سموتريتش رؤية استفزازية لإسرائيل الكبرى. وخاطب المجتمعين قائلاً:
“سنتوسع في غزة وسنوسع حدودنا داخل لبنان، وصولاً إلى الليطاني، وفي سوريا، سنضم جبل الشيخ، وأجزاء من الشمال والجنوب والشرق”.
لم يعد هذا رأيًا هامشيًا في إسرائيل. إذ يُعرّف نحو 22% من السكان اليهود في إسرائيل أنفسهم بالحركة الصهيونية الدينية ويدعمون طموحاتها الاستيطانية.
ليس جميعهم متطرفين، لكن بعضهم كذلك، وقد بلغ العنف في الضفة الغربية مستويات غير مسبوقة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول.
سجلت الأمم المتحدة نحو 1800 حادثة عنف من قبل المستوطنين بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 و16 ديسمبر/كانون الأول 2024، بمعدل أربع حوادث يوميًا، وقُتل أكثر من 1000 فلسطيني، بينهم 233 طفلاً على الأقل، على يد القوات الإسرائيلية أو المستوطنين خلال هذه الفترة.
وفي رسالة وقّعها 21 من كبار المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين السابقين الأسبوع الماضي، أن “الإرهاب اليهودي” مستعر في الضفة الغربية وبدعم من الدولة الإسرائيلية.
وذكرت الرسالة، التي وقّعها رؤساء سابقون للموساد والشاباك والجيش الإسرائيلي، أن عنف المستوطنين تحوّل إلى إرهاب، ويهدد بإسقاط الدولة اليهودية.
وقالوا: “يرفرف علم أسود فوق العلم الإسرائيلي الأزرق والأبيض”. وأضافت الرسالة: “إن الإرهاب اليهودي المستعر في يهودا والسامرة [الضفة الغربية]، بتسامح أو الأسوأ من ذلك، بدعم من السلطات الحكومية، لا يُمثّل فقط فشلاً أخلاقياً فادحاً، بل تهديداً استراتيجياً خطيراً لأمن إسرائيل، لا سيما في زمن الحرب.”
على حدود غزة، لم يُبدِ أيٌّ من المستوطنين الذين تحدثت إليهم صحيفة التلغراف أيّ اقتراح للعنف أو أيّ عمل غير قانوني آخر. لكنهم كانوا على يقين بأنهم “يحملون الحقيقة”، وعازمون على فعل ما يعتقدون أن الله أمرهم به.
“نريد فقط أن تعود غزة يهودية كما كانت”، هكذا قالت هدات برهاي، وهي أم لتسعة أطفال تبلغ من العمر 36 عامًا، ومسؤولة محلية في الحركة.”
“”لا أفهم لماذا لا يزال هؤلاء الغزيون البائسون موجودين هناك بعد عامين ونصف
يجب على العالم أن يفتح لهم أبوابه ويسمح لهم بالرحيل. إنهم لا يستحقون حماس، ولكن لا يمكننا العيش معهم أيضًا.”
من صحيفة ذي سيدني مورننغ هيرالد الأسترالية نقلاً عن صحيفة التلغراف البريطانية
للكاتبين : بول نوكي ونضال حمدونة
عنوان النص بالانكليزية
Religious Zionists spearheading a radical movement sweeping Israel

Related Posts
None found




