بعد أكثر من أربعة عشر عاماً على آخر زيارة لرئيس للجمهورية إلى طرابلس، استعادت عاصمة الشمال مشهد الحضور الرئاسي، مع زيارة الرئيس جوزاف عون التي تحوّلت إلى محطة سياسية وإنمائية بارزة، وسط استقبال شعبي حاشد عكس حجم الاهتمام بهذه الزيارة وما تحمله من رسائل إلى المدينة وأهلها.
من سرايا طرابلس، استهلّ عون جولته بحضور وزيري الداخلية والعدل وقادة الأجهزة الأمنية ومسؤولين محليين، مؤكداً أن زيارته تأتي لتجديد التزام الدولة تجاه طرابلس وأبنائها، والعمل من أجل مستقبل أفضل للمدينة ولبنان. كما تفقّد مراكز قوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة، مشيداً بجهود العناصر وداعياً إلى تسهيل معاملات المواطنين وتعزيز الخدمات المقدّمة لهم.
ومن السرايا إلى قصر العدل ونقابة محامي الشمال، حيث حملت الزيارة رسائل قضائية واضحة، شدّد عون على أن الأمن والقضاء مساران متكاملان، وأن استقلالية القضاء لا تتحقق بالنصوص القانونية وحدها، بل بقناعة القضاة والمسؤولين والتزامهم بمبدأ الاستقلالية.
وفي مرفأ طرابلس، اطّلع عون على واقع العمل والمشاريع التطويرية، وهنّأ القائمين عليه بانضمامه إلى نادي موانئ الممر الاقتصادي، قبل أن يجول بين الأرصفة على وقع أبواق السفن التي أطلقت تحيةً له، وصولاً إلى موقع جهاز السكانر للاطلاع على آلية عمله.
ولم تغب الملفات الاقتصادية والإنمائية عن الجولة، إذ انتقل رئيس الجمهورية إلى المنطقة الاقتصادية الخاصة، حيث استمع إلى مطالب المسؤولين، قبل أن يحطّ في معرض رشيد كرامي الدولي، أحد أبرز المعالم الاقتصادية والعمرانية في المدينة، ويلتقي مجلس إدارته ويجول في أرجائه، في محطة أعادت تسليط الضوء على أهمية تفعيل المرافق الاقتصادية في طرابلس والاستفادة من إمكاناتها.
ومن معرض رشيد كرامي، وجّه عون رسائل سياسية ووطنية، مؤكداً أن قوة لبنان تكمن في تنوّعه، شرط أن يكون هذا التنوّع مصدر غنى وتكامل، لا سبباً للانقسام والخلاف.
وفي ختام الجولة، استعاد عون زيارته السابقة إلى طرابلس عندما كان قائداً للجيش، وتأكيده آنذاك أن المدينة ليست مدينة إرهاب، ليجدّد هذه المرة، بصفته رئيساً للجمهورية، موقفه بأن «زمن التهميش والرسائل السياسية المسمومة قد ولّى»، مشدداً على أن النهوض بطرابلس والشمال مسؤولية مشتركة بين الدولة وأبناء المنطقة.
وإذا كانت زيارة الرئيس جوزاف عون إلى طرابلس قد حملت رسائل سياسية وإنمائية، فإنّ نتائجها الفعلية تبقى رهن ما سيتحقّق على أرض الواقع. فالمدينة التي عانت طويلاً من التهميش والحرمان تنتظر أكثر من الوعود والمواقف، وتترقّب خطوات ملموسة تعيد تحريك عجلة الاقتصاد وتفتح أبواب فرص العمل وتنهض بمرافقها الحيوية فهل تشكّل هذه الزيارة بداية مرحلة جديدة تنعكس إيجاباً على طرابلس وأهلها، أم تبقى محطة رئاسية لافتة بحفاوة استقبالها من دون أن تترك الأثر الإنمائي المنتظر؟..




