طرابلس تحتفي برئيس الجمهورية.. عهد جديد بينها وبين الدولة..

 

كتب المحرر السياسي

بعد 13 عاماً من الغياب، استقبلت طرابلس رئيساً للجمهورية على وقع مشهد شعبي لافت وغير مسبوق، عكس حجم التفاعل مع زيارة الرئيس جوزيف عون، التي تجاوزت طابعها البروتوكولي لتتحول إلى محطة سياسية واجتماعية حملت دلالات تتصل بموقع المدينة في الدولة ومستقبل العلاقة بينهما.

لم تكن الحفاوة التي استقبل بها أبناء طرابلس الرئيس عون مجرد تعبير عن ترحيب برئيس البلاد، بل عكست تأييدا له وثقة به وتطلعاً إلى استعادة حضور الدولة ودورها، وإلى طيّ صفحة طويلة من الإهمال والقلق الأمني، وتثبيت معادلة واضحة عنوانها أن “طرابلس ليست صندوق بريد لتبادل الرسائل المسمومة، ولا ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، بل مدينة لبنانية أصيلة تستحق الأمن والاستقرار والإنماء”.

في ساحة عبد الحميد كرامي، احتشد المواطنون لتحية الرئيس، مرددين الهتافات والشعارات المرحّبة به، فيما ازدانت الشوارع بالصور والأعلام واللافتات.
كان المشهد استقبالا شعبيا أراد من خلاله الطرابلسيون التعبير عن محبتهم للرئيس، وعن أملهم في أن تشكل زيارته بداية مرحلة جديدة، تخرج فيها المدينة من دائرة الوعود المؤجلة إلى رحاب الدولة الحاضرة والفاعلة.

بدوره أعطى الرئيس عون هذه الزيارة بُعداً يتجاوز الرمزية، من خلال تركيزه على الواقع الأمني والقضائي، فزار سراي طرابلس واجتمع بقادة الأجهزة الأمنية والعسكرية، والتقى القضاة في قصر العدل، وزار نقابة المحامين. وهي محطات عكست أهمية التكامل بين الأمن والقضاء والمحاماة في ترسيخ الاستقرار، وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، وتأكيد أن حماية طرابلس لا تتحقق بالشعارات وحدها، بل بفرض القانون وصون العدالة ومنع أي محاولة للعبث بأمنها.

وفي معرض رشيد كرامي الدولي، التقى الرئيس عون نواب وقيادات المدينة وفاعلياتها، واستمع إلى مطالبهم المزمنة، فيما شكّلت زيارته المنطقة الاقتصادية فرصة للاطلاع على المشاريع التي يُعوّل عليها في رسم مستقبل طرابلس الاقتصادي. وأشاد بالتطور الذي يشهده هذا القطاع، مهنئاً مرفأي طرابلس وبيروت بالإنجاز المتصل بانضمامهما إلى مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، بما يحمله من فرص استراتيجية لتعزيز موقع لبنان على خريطة التجارة الدولية.

وبدا من خلال مواقف الرئيس عون أن المدينة التي تختزن مقومات اقتصادية وجغرافية مهمة، من المرفأ إلى معرض رشيد كرامي الدولي، والمنطقة الاقتصادية الخاصة إلى مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات، لا ينقصها ما يؤهلها لتكون رافعة أساسية للاقتصاد اللبناني، بقدر ما تحتاج إلى قرار سياسي يترجم هذه المقومات مشاريع منتجة وفرص عمل واستثمارات، ويعيد الاعتبار إلى طرابلس بوصفها عاصمة اقتصادية للبنان وبوابته على محيطه العربي والدولي.

ولعلّ أبرز ما حملته الزيارة تمثّل في الرسائل التي وجّهها عون إلى أبناء المدينة، حين شدّد على “ضرورة إعادة الاعتبار إلى العمل والإنتاج، وفتح آفاق المستقبل أمام الشباب داخل وطنهم”، معتبراً أن “طرابلس قادرة على أن تكون نموذجاً في التلاقي والتعاون والتطلع إلى المستقبل”.
أما قوله: “لطرابلس وأهلها مني كل المحبة وكل الالتزام للعمل من أجل مستقبل أفضل لها”، وختمه عبارته بالقول: “طرابلس، أنتِ في القلب”، فقد منحا الزيارة بُعداً عاطفياً لامس وجدان أبناء المدينة، من دون أن يلغي ذلك المسؤولية المشتركة في تحويل هذه المحبة إلى التزامات عملية.

لقد بادلت طرابلس محبة الرئيس عون بالمحبة، واستقبلته بما يليق به وبتاريخها وكرم أهلها، لكنها تنتظر أن تتجسد هذه العاطفة المتبادلة خطوات ملموسة على الأرض. فالمطلوب ليس أن تبقى الزيارة ذكرى جميلة في وجدان الطرابلسيين، بل أن تكون نقطة انطلاق لمسار يعيد المدينة إلى قلب الاهتمام الوطني، ويحصّنها أمنياً، وينصفها إنمائياً، ويمنح أبناءها فرصة حقيقية لبناء مستقبلهم فيها.
نجاح زيارة الرئيس جوزيف عون لا يُقاس فقط بحجم الحشود التي استقبلته، ولا بحرارة التصفيق والهتافات، بل بما ستتركه من نتائج في حياة المدينة وأهلها. فالمحبة التي عبّر عنها الرئيس عون، والمحبة التي ردّ بها الطرابلسيون، تضعان الطرفين أمام فرصة ومسؤولية: أن تتحول هذه اللحظة إلى بداية عهد جديد بين طرابلس والدولة، عنوانه الأمن والاستقرار والإنماء والشراكة الوطنية الكاملة.


Related Posts

None found


 

Post Author: SafirAlChamal