المشهد الأمني – من 7700 إلى 7500: حين يأتي التهديد من داخل قمرة القيادة.. بقلم العميد منذر الأيوبي

في تمام الساعة 07:05 من صباح الأربعاء 30 أيلول/سبتمبر، أظهرت شاشات عرض معلومات الرحلات (Flight Information Display System – FIDS) في صالة المبنى رقم 3 بمطار دبي الدولي (DXB) إقلاع طائرة من طراز (بوينغ 737 ماكس 8) في الرحلة رقم FZ1073 المتجهة إلى تل أبيب.

 

بعد نحو ساعة ونصف من الطيران، أُضيء على شاشات رادار مراقبي الحركة الجوية (ATC) تسلسل لافت لأكواد الاستجابة اللاسلكية (Squawk Codes)، الصادرة تباعاً من جهاز الإرسال والاستجابة (Transponder) في قمرة القيادة وفق الآتي: 7700 (حالة طوارئ عامة) \bm{\rightarrow} 7500 (إبلاغ عن تدخل غير مشروع / Unlawful Interference) \bm{\rightarrow} ثم العودة إلى 7700.

 

كان هذا التسلسل كفيلاً بتحويل رحلة عادية إلى حالة طوارئ قصوى؛ إذ يُعبر الانتقال من 7500 إلى 7700 دلالياً عن مرحلة احتواء الأزمة ومحاولة استعادة السيطرة للتعامل مع الإصابات والطوارئ الفنية. 

وبين هذه الرموز، شهدت الرحلة تغيرات حادة في الارتفاع والمسار، قبل أن تنتهي بهبوط اضطراري آمن في مطار تبوك السعودي. ومن هذه النقطة بالتحديد، تبدأ القراءة الأمنية الحقيقية.

 

1. من الطوارئ إلى التدخل غير المشروع:

المعلومات التي أعلنتها الجهات الإماراتية تشير إلى وقوع مشادة داخل قمرة القيادة، تدخل خلالها أفراد من الطاقم وتمكنوا من تأمينها. وأعلنت النيابة العامة الإماراتية فتح تحقيق متخصص في ظروف الحادث ودوافعه، بما في ذلك مدى ارتباطه بأي نشاط أو غرض إرهابي، وما إذا كان هناك تخطيط مسبق أو توجيه من جهة أخرى.

 

فيما أشارت تقارير إعلامية متطابقة إلى حصول مشادة بين قائد الطائرة ومساعده تطورت إلى اقدام الأخير على طعن القائد بآلة حادة، ما أدخل الطائرة في هبوط حاد (Steep Dive) قبل أن يتمكن بعض الركاب والطاقم من التدخل واستعادة السيطرة عليها. لكن شركة “فلاي دبي” اكتفت في بياناتها العلنية بالإشارة إلى وقوع حادث داخل قمرة القيادة، ودعت إلى تجنب التكهنات لحين انتهاء التحقيق.

 

2. من الطوارئ إلى التهديد الداخلي:

المفارقة الأمنية في هذا الحادث أن الخطر لم يظهر، وفق المعطيات المتاحة، من خارج الطائرة، بل من داخل قمرة القيادة نفسها، ما يضعنا أمام مفهوم أمني معروف “التهديد الداخلي” Insider Threat.

عليه يُبنى السؤال: كيف وصل هذا التهديد إلى قمرة قيادة طائرة مدنية وتخطى البروتوكولات الأمنية، بالتالي التأثير على مسار الرحلة؟

بالطبع، من المبكر استخدام تعبير «اختراق أمني»؛ فالحادث بحد ذاته لا يثبت أن شركة الطيران أو المنظومة الأمنية تعرضت لاختراق منظم. لكنه يفرض ضرورة التدقيق في الحلقة المحيطة بالطاقم وفق الآتي: هل كانت هناك مؤشرات سابقة على سلوك غير طبيعي؟ وهل تم مراجعة السجل المهني (Logbook) والأمني بصورة كافية؟ وهل كانت هناك معطيات كان ينبغي أن تظهر في منظومة التقييم النفسي والمسلكي قبل الرحلة؟ وهل كان الأمر في أساسه ثغرة فردية أم خللاً في أكثر من حلقة من حلقات الحماية؟ هذه أسئلة تحقيق، وليست اتهامات.

 

3. حدود التحقيق والفرضيات المتاحة:

التحقيق الأمني الجاد لا يبدأ لحظة ظهور الرمز 7500 على شاشة المراقبة، بل قبل ذلك بكثير: من معايير اختيار الطاقم، والسجلات المهنية، والتقييمات الأمنية، والظروف السابقة للرحلة، والاتصالات ذات الصلة، وصولاً إلى ما جرى داخل القمرة في الدقائق التي سبقت إعلان حالة الطوارئ.

كما ينبغي أن تقارن التحقيقات بين سجل الرحلة والاتصالات وبيانات الصندوقين الأسودين: مسجل بيانات الطيران (FDR) ومسجل أصوات قمرة القيادة (CVR)، وأن تبحث عن أي مؤشر سابق يمكن أن يفسر السلوك الذي وقع؛ فالحدث المفاجئ لا يعني بالضرورة أن كل شيء بدأ فجأة.

 

أما السؤال الأكثر حساسية: هل كان الفعل فردياً أم موجهاً؟ قد يكون ما حدث تصرفاً فردياً غير مخطط له أو ناتجاً عن “انهيار نفسي مفاجئ”، Sudden psychological collapse. وقد يكون فعلاً سبقته مرحلة من التحضير. وقد يكون الدافع شخصياً، أو أيديولوجياً، أو مرتبطاً بظرف آخر لا علاقة له بالسياسة أو الإرهاب.

كما أن احتمال وجود توجيه خارجي لا يمكن إهماله، وفي الوقت نفسه لا يمكن إثباته بمجرد وجود الشك؛ فقواعد الإثبات تحتاج إلى أدلة مستقلة: اتصالات، تحويلات مالية، لقاءات، رسائل، تعليمات، أو أي رابط مادي يمكن التحقق منه. وهنا تحديداً تكمن قيمة التحقيق الاستخباراتي: ليس في إنتاج أكبر عدد من الفرضيات، بل في إسقاط الفرضيات التي لا تصمد أمام الأدلة.

 

4. من الفعل الفردي إلى الاختراق:

الفرق بين الحالتين كبير؛ فإذا كان الفعل فردياً تماماً، فنحن أمام تهديد داخلي مصدره فرد تمكن من تحويل موقعه أو صلاحياته إلى خطر. 

أما إذا ظهر لاحقاً وجود تخطيط أو توجيه أو ارتباط خارجي، فإن توصيف الحادث يتغير جذرياً، لأننا ننتقل من حادث أمني داخل طائرة إلى عملية استهدفت منظومة طيران مدني كاملة. وحتى الآن، لا توجد معطيات كافية تسمح بالقفز من الاحتمال الأول إلى الثاني.

 

5. ماذا عن الأيديولوجيا؟

وجود دافع أيديولوجي محتمل لا يعني تلقائياً وجود تنظيم، وهذه نقطة أساسية في قراءة الحوادث الأمنية؛ إذ يجب التمييز بين التطرف الفكري، والانتماء التنظيمي، والتوجيه العملياتي. وهي ثلاثة مستويات مختلفة لا يجوز دمجها في استنتاج واحد قبل ظهور الأدلة المادية.

 

6. مفارقة الطاقم الإضافي: بين التشغيل والسيكولوجيا:

من التفاصيل التي أثارت الانتباه وجود أربعة طيارين من “فلاي دبي” على متن الطائرة: قائد الطائرة ومساعده، إضافة إلى طيارين آخرين من الشركة نفسها كانا على المتن وهما خارج الخدمة (Deadheading).

وجودهما بحد ذاته ليس أمراً استثنائياً، فقد يرتبط بالحاجة إلى إعادة توزيع الطواقم، أو باحتمال إعادة توجيه الرحلة بسبب التوترات الإقليمية بما قد يؤدي إلى تجاوز حدود ساعات العمل القانونية للطاقم الأصلي. 

لكن المفارقة أن هذا الإجراء التشغيلي أصبح بعد الحادث عاملاً حاسماً في احتواء الأزمة، إذ شارك الطياران الإضافيان في استعادة السيطرة على الطائرة.

وهنا يصبح السؤال الأمني مشروعاً: متى اتُخذ قرار وجود الطيارين الإضافيين؟ ومن اتخذه؟ وما كانت مهمتهما التشغيلية بعد الوصول؟ وهل كان وجودهما جزءاً من الخطة المعتادة أم إجراءً استثنائياً؟ هذه أسئلة تستحق أن تكون ضمن ملف التحقيق دون تحويلها إلى نظرية مؤامرة.

 

7. ماذا يقول هيكل الطائرة عن لحظات الخطر؟

يختزن المعدن والأسطح الخارجية أثراً زمنياً دقيقاً للحظات الخطر. الصور المنشورة بعد هبوط الطائرة في مطار تبوك أظهرت أضراراً في منطقة الذيل، بما في ذلك فقدان جزء من الدفة (Rudder) على المثبت العمودي. 

كما أظهرت بيانات تتبع الرحلة غوصاً حاداً من ارتفاع التحليق (Cruising Altitude).

وعليه، لا يجوز تحويل صورة الضرر إلى دليل على عملية تخريب مادي قبل انتهاء الفحص الفني. 

الأهم هو مطابقة الضرر المادي مع بيانات (FDR) و(CVR)، وحركات أسطح التحكم، والسرعة، والارتفاع، ومعدلات الهبوط؛ عندها يمكن للخبراء تحديد ما إذا كان الضرر قد نتج عن المناورات العنيفة لاستعادة السيطرة، أم عن فقدان التحكم الهيدروليكي، أم عن عامل آخر.

 

8. ما الهدف المفترض؟

هنا ندخل في المنطقة الأكثر حساسية: هل كان الهدف السيطرة على الطائرة؟ أم إيذاء أحد أفراد الطاقم؟ هل كان المقصود إسقاطها؟ وهل الأمر مرتبط بوجهة الرحلة؟ أم أن ما حدث له هدف استراتيجي يتجاوز الطائرة وطاقمها؟ لا توجد حتى الآن معطيات تسمح بإعطاء جواب نهائي، والقاعدة الأمنية في مثل هذه الحالات واضحة: الهدف لا يُستنتج من خطورة النتيجة وحدها.

 

9. لماذا مطار تبوك؟

تحويل الطائرة إلى مطار تبوك قد يبدو للوهلة الأولى تفصيلاً سياسياً أو أمنياً، لكنه في الأساس يُفسَّر كقرار تشغيلي فرضته حالة الطوارئ والموقع الجغرافي للطائرة في تلك اللحظة. لذلك لا ينبغي اعتبار المطار أو المسار هدفاً بذاته إلا إذا ظهرت أدلة تثبت ذلك. لكن، في المقابل، تبقى كل قرارات تغيير المسار والاتصالات مع المراقبة الجوية جزءاً مفصلياً من التسلسل الزمني الذي ينبغي أن يراجعه التحقيق.

 

10. هل تدخل «نظرية المؤامرة»؟

عند هذه النقطة، من السهل جداً أن يتحول التحليل الأمني إلى نظرية مؤامرة؛ إذ يكفي أن تتجاور بعض التفاصيل غير المألوفة: طياران إضافيان، تسلسل الرموز، أضرار في الذيل، تغيير المسار، الهبوط في السعودية، وتحذير سياسي سابق، حتى تبدأ التفاصيل بالظهور وكأنها أجزاء من لوحة واحدة مرتبة مسبقاً.

لكن جمع التفاصيل لا يصنع بالضرورة رابطاً علّياً بينها. التحليل الاستخباراتي الجاد يفعل العكس تماماً: يبدأ بالأسئلة، ثم يضع الفرضيات، ثم يبحث عن الأدلة التي تؤيدها أو تسقطها. وإذا لم تصمد الفرضية أمام الوقائع، يجب التخلي عنها مهما كانت جذابة تحليلياً.

 

11. الحادث واللحظة السياسية: ماذا عن نتنياهو؟

قبل يوم واحد من الحادث، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد تحدث عن مؤشرات تتعلق باحتمال وقوع هجمات قبل الانتخابات الإسرائيلية. وبعد حادث الطائرة، عادت هذه التصريحات إلى الواجهة، خصوصاً مع عقد نتنياهو اجتماعاً أمنياً فور وقوع الحادث.

لكن التزامن الزمني لا يثبت وجود علاقة سببية. الأهم هنا ليس السؤال المبسط: هل كان يعرف؟ بل أسئلة أكثر دقة: متى وصلت المعلومات؟ ماذا كان مضمونها؟ من أي جهة جاءت؟ وما مدى تحديدها؟ وهل كانت تتعلق بخطر عام، أم بحادث محدد يمكن ربطه بالرحلة FZ1073؟

وبحسب ما نُشر، قال يائير لابيد إن الإحاطة الأمنية التي تلقاها مع نتنياهو في 29 أيلول لم تتضمن، حتى بصورة غير مباشرة، تهديداً يشبه حادث الطائرة. إذن، نحن حتى الآن أمام تزامن يحتاج إلى تفسير، لا أمام دليل على معرفة مسبقة.

 

12. ماذا عن 7 أكتوبر؟

استدعاء البعض لأحداث 7 أكتوبر في هذا السياق أمر مفهوم، لأن النقاش الإسرائيلي بعد أي حادث أمني كبير يعود سريعاً إلى سؤال الإنذار المبكر: هل كانت هناك معلومات؟ وهل جرى تفسيرها بالشكل الصحيح؟

لكن المقارنة يجب أن تبقى دقيقة؛ فوجود معلومات أو مؤشرات عامة قبل حادث كبير لا يعني بالضرورة امتلاك معلومات محددة عن مكانه وتوقيته وطبيعته. لذلك، إذا أريد اختبار أي صلة بين تحذيرات 29 أيلول وحادث 30 أيلول، فإن المعيار الحقيقي هو درجة تحديد المعلومات، وليس مجرد وجود تحذير سابق.

 

13. البيئة الإقليمية والأثر المقصود:

وقع الحادث في بيئة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتقاطع خطوط الطيران المدني مع أجواء عسكرية، وتتأثر حركة الطائرات مباشرة بالتوترات السياسية. وهذا يجعل أي حالة طوارئ جوية أكثر تعقيداً من حادث تقني عادي. لكن البيئة المتوترة لا تكفي وحدها لإنتاج رواية أمنية.

 

وهنا يُطرح سؤال آخر: هل كان الهدف هو الطائرة أم «الأثر السياسي والإعلامي»؟

في العمليات الأمنية، ليس ضرورياً دائماً أن يكون الهدف النهائي هو الشيء الذي تعرض للخطر مباشرة، لكن هذه الفرضية لا يمكن إسقاطها على الرحلة FZ1073 لمجرد أن الطائرة كانت متجهة إلى تل أبيب؛ فالطريق إلى إثبات “الأثر المقصود” يبدأ من سلوك الفاعل، واتصالاته، وتحضيراته، وليس من وجهة الرحلة وحدها.

 

14. ما يجب أن يقرأه المحققون:

الجزء الأكثر أهمية في التحقيق هو إعادة بناء الدقائق التي سبقت أول ظهور للرمز 7700، ثم الفترة التي ظهر فيها 7500: من كان في القمرة؟ متى بدأ الخلاف؟ متى تغير سلوك الطائرة؟ متى تغيرت الاتصالات؟ متى ظهرت المناورات الحادة؟ متى تدخل الأشخاص الموجودون داخل المقصورة؟ ومتى استعيدت السيطرة؟

 

إذا أمكن بناء هذا الخط الزمني بالدقيقة، فإن إجابات تقنية وبسيطة ستضيء التحقيق وتزيل كثيراً من الغموض. أما المفارقة الأمنية غير المعتادة فهي أن الطائرة لم تُنقذ بواسطة الأنظمة الأرضية أو إجراءات الطوارئ التقليدية، بل عبر عناصر بشرية داخل الطائرة لعبت دوراً مباشراً في منع الأزمة من التحول إلى كارثة. 

وهذا يعيدنا إلى أدبيات الأمن الحديث: المنظومة الأقوى ليست التي تمنع كل خطر (فهذا غير ممكن)، بل التي تستطيع اكتشاف الخطر واحتواءه قبل أن يتحول إلى كارثة.

 

15. الدرس الاستخباراتي:

وضع الحادث أجهزة الأمن وقطاع الطيران أمام سؤال يتجاوز هذه الرحلة: كيف يمكن اكتشاف “التهديد الداخلي” قبل أن يصل إلى نقطة الاستخدام الفعلي للصلاحية؟

الإجابة لا تكمن في التشدد وحده، ولا في مراقبة الجميع، بل في القدرة على الربط بين المعلومات المهنية، والسلوكية، والأمنية ضمن الضوابط القانونية. فالتهديد الداخلي لا يعلن عن نفسه دائماً، وأحياناً تكون المشكلة في أن المعلومات كانت موجودة بالفعل، لكنها بقيت موزعة بين أكثر من جهة ولم تتحول إلى صورة واحدة.

 

16. بين الرواية والنتيجة:

حتى الآن، توجد رواية أولية متماسكة عن وقوع حادث خطير داخل قمرة القيادة، وعن تدخل أفراد من الطاقم والركاب، وعن استخدام رموز الطوارئ وتغيير مسار الرحلة وصولاً إلى الهبوط الآمن في تبوك.

لكن الرواية لا تزال غير مساوية للنتيجة؛ فهناك فارق بين ما حدث فعلاً، وبين تفسير لماذا حدث، وبين وجود تفاصيل تستحق التدقيق وإثبات أنها مترابطة. لذلك، فإن أخطر ما يمكن فعله في مثل هذه الحوادث هو ملء الفراغ الذي تركه التحقيق بافتراضات تبدو منطقية، لكنها لم تتحول بعد إلى أدلة.

 

17. خريطة الفرضيات أمام التحقيق:

يمكن وضع عدة فرضيات منطقية أمام التحقيق دون إعطاء أي منها صفة النتيجة النهائية:

 ١- أن يكون ما حدث فعلاً فردياً غير مخطط له، ناتجاً عن دافع شخصي، أو ظرف طارئ، أو انهيار نفسي حاد.

 ٢- أن يكون الفعل فردياً، لكن وراءه دافع أيديولوجي أو سياسي مُضمر.

 ٣- أن يكون هناك تخطيط مسبق من الشخص نفسه، دون وجود جهة خارجية مُوجهة أو مُحرضة.

 ٤- أن يكشف التحقيق عن توجيه أو ارتباط خارجي، وهو احتمال يحتاج إلى أدلة مستقلة (اتصالات، تحويلات مالية، لقاءات، أو تعليمات).

 ٥- أن يكون الحادث كشف ثغرة مؤسسية أو إجرائية في تقييم الطواقم، دون أن يكون هناك أي اختراق خارجي.

 

وهناك احتمال آخر لا يقل أهمية: أن تكون بعض التفاصيل التي تبدو اليوم غامضة ذات تفسير تشغيلي أو فني بسيط؛ فوجود الطيارين الإضافيين قد يكون إجراءً متعلقاً بتنظيم الشفتات، واختيار تبوك قد يكون نتيجة مباشرة لمتطلبات الطوارئ الجغرافية، والضرر في الذيل قد يكون ناتجاً عن إجهاد الهيكل بسبب المناورات العنيفة. وإذا أثبتت الأدلة الفنية ذلك، فإن بعض الفرضيات الأمنية المعقدة تسقط تلقائياً.

 

كما أن هذه الاحتمالات ليست بالضرورة متعارضة؛ فقد يكون الفعل فردياً ومخططاً له، وفي الوقت نفسه توجد ثغرة مؤسسية ساعدت على حصوله دون أي توجيه خارجي. وهنا تكمن قيمة التحقيق الحقيقي: في تحديد أي فرضية تصمد أمام الدليل المحض، وأي فرضية تسقط قبل أن تتحول إلى رواية.

 

18. ماذا لو وقعت الكارثة؟

ربما يكون السؤال الأكثر أهمية الذي يتركه هذا الحادث خلفه: ماذا كان سيحدث لو لم يتمكن الموجودون على متن الطائرة من استعادة السيطرة؟

عندها سنكون أمام كارثة جوية تفتح مسارات أخرى تماماً: ضحايا مدنيون، طائرة تسقط في منطقة مأهولة أو حساسة، تدخل عسكري محتمل، أزمة بين أكثر من دولة، وأسئلة أمنية وسياسية تتجاوز بكثير حدود الرحلة نفسها.

هنا تكمن أهمية الحادث؛ فالخطر الحقيقي لا يُقاس دائماً بالنتيجة التي وقعت، وإنما بالنتيجة التي كان يمكن أن تقع لو فشلت آخر حلقات الاحتواء. ومن هذه الزاوية، تصبح الدقائق التي سبقت السيطرة على الطائرة أكثر أهمية من المشهد الذي انتهى بهبوطها في تبوك؛ إذ قد يكون ما منع الكارثة ليس نظاماً حاسماً واحداً، بل سلسلة متداخلة من عوامل الصدفة، والإجراء، والتدخل البشري، والخبرة.

 

وهذا تحديداً ما يجب أن يبحث فيه التحقيق:

-ما الذي منع الحادث من التحول إلى كارثة؟

-هل كانت هناك إجراءات كان يمكن أن تتوقف عندها الأزمة في مرحلة أبكر؟

-هل كان وجود الطيارين الإضافيين عاملاً حاسماً في الترجيح؟

-هل لعبت خبرة قائد الطائرة والطاقم الدور الأساسي في استعادة السيطرة؟

-هل كانت هناك لحظة مفصلية محددة، لو سارت في اتجاه مختلف، لتغيرت النتيجة بالكامل؟

هذه الأسئلة لا تبحث عن مذنب بقدر ما تبحث عن “نقطة الانهيار” التي لم نصل إليها، لتقييم ما إذا كان عامل الإنقاذ جزءاً من منظومة يمكن الاعتماد عليها مستقبلاً، أم أنه كان ظرفاً استثنائياً لا يجوز الرهان على تكراره.

 

الخلاصة

أكواد الاستجابة اللاسلكية لم تكن مجرد أرقام ظهرت على شاشة مراقبة جوية، بل كانت ترجمة مكثفة لدقائق دخلت فيها طائرة مدنية أخطر حالات الطوارئ الممكنة.

وهنا، لا يحتاج المتابع إلى رواية مكتملة قبل اكتمال التحقيق الفني، ولا إلى نظريات تملأ الفراغات التي تركتها المعلومات الناقصة؛ بل ما يحتاجه هو أن يعرف أين تنتهي الحقيقة الصلبة وأين يبدأ الاحتمال.

في الأمن، لا تُقاس كفاءة المنظومة فقط بعدد الكوارث التي نجحت في منعها، بل بقدرتها على فهم اللحظات التي اقتربت فيها من الكارثة، ثم تحويل تلك اللحظات إلى معرفة تمنع تكرارها.

 

الكاتب: العميد منذر الأيوبي 

عميد متقاعد.. مختص في الشؤون الأمنيّة ومكافحة الإرهاب.

Post Author: SafirAlChamal