نجلة حمود
قد تكون قضية “دكتور فود” وزوجته السابقة شروق واحدة من أكثر الصور فجاجة عن عالم السوشيال ميديا: شهرة بلا قيمة، مؤثرون تحولوا إلى مرجعيات، جمهور يلاحق الفضائح كما يلاحق حلقات مسلسل يومي، وحياة خاصة تُعرض أمام مئات الآلاف حتى لم يعد واضحاً أين تنتهي المأساة وأين يبدأ الاستعراض.
كل يوم تقريباً فصل جديد. تسجيل، فيديو، اتهام، رد، بث مباشر وفضيحة تجر أخرى. والجمهور ينتظر الحلقة المقبلة.
لكن خلف هذا السيرك الرقمي ثمة قضية أكثر جدية بكثير. صدر بحق جورج حنا ديب، المعروف بـ”دكتور فود”، حكم غيابي بالأشغال الشاقة المؤبدة في قضية تصنيع مواد مخدرة وتهريبها داخل منتجات غذائية إلى الخارج، كما عُممت مذكرة إلقاء القبض عليه على الأجهزة الأمنية. وبحكم أن القرار صدر غيابياً، فإن توقيف ديب أو تسليم نفسه يعيدان محاكمته وجاهياً أمام القضاء المختص. ومع ذلك، يستمر ديب في الظهور على مواقع التواصل الاجتماعي، وينشر الفيديوهات ويطل في البث المباشر ويتحدث إلى جمهوره وكأن الحكم ومذكرة إلقاء القبض شأن يحدث في مكان آخر.
هنا تتوقف القضية عن كونها حكاية “البلوغر” الشهير، لتصبح مشهداً يمس هيبة الدولة والقضاء معاً.
فالمفارقة ليست في أن متهماً ينفي التهم الموجهة إليه؛ فهذا حقه، ومن حقه الدفاع عن نفسه أمام القضاء. المفارقة أن شخصاً صادراً بحقه حكم غيابي بهذه الخطورة ومذكرة إلقاء قبض معممة يستطيع أن يحافظ على حضوره الرقمي العلني، فيما يبقى تنفيذ القرار القضائي معلقاً.
ثم جاءت الفيديوهات المتعلقة بحياته الزوجية لتكشف وجهاً آخر، وربما أكثر ابتذالاً، من عالم “المؤثرين” الذي تحولت فيه الخصوصية إلى مادة للاستهلاك، والمأساة الشخصية إلى محتوى.
في أحد التسجيلات التي نشرتها شروق، تظهر باكية وهي تتحدث عما تقول إنه تعنيف تتعرض له من زوجها، وتطلب الطلاق والمغادرة إلى كندا. وفي لحظة يُفترض أنها شديدة الخصوصية، كانت تستنجد بشخص تخاطبه بـ”الأستاذ”.
ليتضح أن هوية “الأستاذ” ليست محاميها كما ظن المتابعون، بل أحد السياسيين في محافظة عكار.
“بعدنا نايمين وأكلمكم بعد نصف ساعة”
امرأة تبكي وتطلب المساعدة، وزوج أصبح لاحقاً في قلب قضية جنائية بالغة الخطورة، و”أستاذ” يُستغاث به، وجمهور هائل يتابع كل ذلك عبر شاشة الهاتف كما لو أنه أمام حلقة جديدة من برنامج واقعي. هنا تتجاوز الفضيحة أصحابها. “دكتور فود” ليس سوى أحد منتجات عالم جعل الشهرة قيمة قائمة بذاتها، وعدد المتابعين مقياساً للمكانة، والحياة الخاصة سلعة، والفضيحة وسيلة إضافية لزيادة المشاهدات.
صنعت مواقع التواصل شخصيات لا تقوم شهرتها بالضرورة على معرفة أو
إنجاز أو موهبة استثنائية، بل على القدرة المستمرة على لفت الانتباه. ومع الوقت، تحول الانتباه نفسه إلى نفوذ: إعلانات وأموال وعلاقات ووصول إلى السياسة والإعلام.
والمشكلة أن الإعلام التقليدي لم يقف دائماً في مواجهة هذه الظاهرة، بل ساهم أحياناً في تضخيمها. استضاف “المؤثر” لأنه يجلب المشاهدات، ورفع خلافاته الشخصية إلى مرتبة الخبر، ثم عاد ليستثمر في فضيحته عندما انقلبت الصورة.
هكذا نشأ عالم دائري مغلق: المؤثر يحتاج إلى الجمهور، والمنصة تحتاج إلى الإثارة، والإعلام يحتاج إلى المشاهدة، والسياسي يدرك قيمة الوصول إلى هذه الكتل الضخمة من المتابعين. وعند هذه النقطة لا تعود التفاهة بريئة.
فالشهرة الرقمية حين تتقاطع مع المال والإعلام والسياسة تتحول من استعراض سخيف إلى شكل من أشكال النفوذ. يصبح صاحب الهاتف قادراً على صناعة صورة عامة، وتحريك جمهور، وفرض نفسه على الإعلام، وفتح أبواب لم يكن ليدخلها بإنجاز أو اختصاص.
لهذا تحمل قضية “دكتور فود” دلالة تتجاوز صاحبها وزوجته وكل ما يتسرب من حياتهما الخاصة. إنها تكشف هشاشة عالم كامل عاش على الصورة، ثم بدأ ينهار بالصورة نفسها.
فالحياة الزوجية أصبحت “ستوري”، والاستغاثة تسجيلاً متداولاً، والفضيحة “ترنداً”، والاتهام الجنائي مادة لبث مباشر. الفضيحة الأعمق هي البيئة التي رفعت المؤثر إلى مرتبة المرجعية، وحولت التفاهة إلى اقتصاد، والخصوصية إلى فرجة، وعدد المتابعين إلى سلطة، ثم سمحت لهذه السلطة الزائفة بأن تتقاطع مع السياسة والإعلام. ولذلك تبدو العبارة التي قيلت في التسجيل أكبر كثيراً من سياقها، فهي العبارة الأنسب لعالم كامل يعيش على الضجيج. فحين يصل الأمر إلى حكم قضائي ومذكرة إلقاء قبض، يُفترض أن يسقط منطق “الترند”، وأن تتوقف لعبة المؤثر والسياسي والجمهور.
هناك نقطة يجب أن تنتهي عندها سلطة الشاشة، وتبدأ سلطة الدولة.

Related Posts
None found




