اغتيال التاريخ والهوية.. الإرث الثقافي في الجنوب يُحتضر..بقلم د. زكية رشيدي

لم تكتفِ إسرائيل بأعمالها العدائية من قصف وتدمير وتهجير وحتى “الإبادة الجماعية” التي تنتهجها لتحقيق أهدافها الاستيطانية الممتدة من غزة الى الجنوب اللبناني، بل اعتمدت سياسات تدميرية ممنهجة طالت الجغرافيا والتاريخ والهوية على حد سواء.

لم تقتصر تلك الأعمال العسكرية والتدميرية على المباني السكنية تحت ذريعة استهداف شخصيات معينة، أو جرف قرى ومنازل وسرقة أشجار الزيتون المعمرة في الجنوب أو حتى إحراقها، بل ذهبت أبعد من ذلك إلى تدمير الإرث الثقافي اللبناني من مقامات دينية وأماكن سياحية ومواقع أثرية من قلاع وأسواق تراثية وغيرها، وكان آخرها ما تعرضت له قلعة شقيف في أرنون بحجة تدمير أنفاق تابعة لحزب الله في محيط القلعة.

وقبلها في العام ٢٠٢٤ تم تدمير مقام شمعون الصفا في بلدة شمع قرب صور تدميرًا شبه كليّ، ومقام بنيامين بن يعقوب قرب ميس الجبل تدميرًا كليًّا. وليس بعيدًا في الجغرافيا غرس العدو منذ أيام في عملية تَسلل فيها إلى قلعة دوبيه الأثرية الواقعة بين هذه المدينة وبلدة شقرا عَلمًا اسرائيليًا في محاولة تبريرية نفسية تجعله يشعر بالسيطرة على قلاع البلدات الحدودية التي لم يستطيع السيطرة عليها عسكريًا بشكل كامل رغم تواجدها على الخط الأزرق الدولي.

هل يحتاج تدمير الأنفاق إلى 700 طنا من المتفجرات؟!..

في ليل 30 تموز 2026 تم تفجير أنفاق وفق زعم العدو الاسرائيلي أنها تابعة لحزب الله في محيط قلعة شقيف صنفته الوكالة الوطنية للإعلام أنه التفجير الأضخم بعد تفجير مرفأ بيروت نظرًا لضخامة الارتدادات التي أحدثتها في المنطقة حيث سُجلت هزات محلية عقب هذا التفجير وصلت قوتها إلى 3.4 و3.8 درجات على مقياس ريختر.

بالطبع هي ليست العملية الأولى التي يقوم بها العدو الإسرائيلي بتدمير أنفاق وتغيير المعالم الجغرافية في القرى والبلدات الجنوبية، فقد سبق تفجير أنفاق محيط قلعة شقيف تفجيرات مماثلة في مجدل زون حيث تخطّت قوة التفجيرات تلك نطاقها “تحت الأرض” وأحدثت تغيّرًا جغرافيًا غيّر من معالم البلدة وقسّم الجبل الى قسمين، وهذا فعلًا ما حدث في بلدة “عريض الهوا” التي تغيرت معالمها إثر التفجيرات الضخمة التي شهدتها وفق ما بيّنته الوكالة الوطنية للإعلام.

إنّ سياسة تفجير الأنفاق هذه التي انتهجها العدو في مجدل زون سابقًا وغيرها من المناطق في الجنوب اللبناني، اعتمدها العدو في تفجيرات محيط قلعة شقيف، هذه القلعة التي تمَّ إدراجها من قبل وزارة الثقافة اللبنانية على لائحة التراث العالمي المهدد بالخطر في 24 تموز 2026 خلال الدورة 48 للجنة التراث العالمي وجاء الرد سريعًا من قبل العدو بعد أيام من ادراجها على استهداف وتفجير محيطها.

قلعة شقيف تلك القلعة الرومانية التي يتخطى عمرها 900 سنة، والتي بناها الصليبيون في القرن الثاني عشر تنتظر اليوم الضوء الأخضر الإسرائيلي لتفجيرها واستهدافها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.  

لماذا تفجير قلعة شقيف؟

لقلعة شقيف رمزية تاريخية تمتد إلى العام 1982 إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان حيث وقعت حينها معركة بين قوات الاحتلال الإسرائيلية ومنظمة التحرير الفلسطينية نتج عنها احتلال العدو الإسرائيلي للقلعة، تمركز فيها العدو لسنوات حتى العام 2000، وإسرائيل بسعيها لتدمير وسيطرة قواتها على القلعة تحاول إعادة احياء تاريخ اجتياحها واحتلال الأرض اللبنانية الجنوبية، نظرًا لأهميتها الاستراتيجية في الموقع الجغرافي. فالقلعة تشرف على مساحة واسعة من بلدات الجنوب وتلاله الحاكمة من نهر الليطاني وسهل مرجعيون والنبطية، وتتيح مدى رؤية في الاتجاهات الأربعة من سفوح جبل الشيخ إلى ساحل الناقورة وصولًا إلى صيدا وقرى إقليم التفاح. وبذلك يكون العدو أحكم سيطرته العسكرية على المنطقة باعتباره أشرف على المنطقة المحيطة بها.

وتقع قلعة شقيف ضمن “المنطقة العازلة” التي تسعى إسرائيل لإحكام سيطرتها عليها، وترجمة مخططها الاستيطاني لقيام مستوطنات في جنوب لبنان وهذا عبر جعلها منطقة خالية من السكان حيث تصبح العودة إلى هذه المناطق شبه مستحيلة لأنها فاقدة لكل مقومات الحياة بالدرجة الأولى وحيث يصعب على المواطن اللبناني التعرف الى منطقته لتغير الجغرافيا فيها عبر مسح الأمكنة بشكلٍ كامل.

عقدة قلعة شقيف

رغم تمركز العدو الإسرائيلي في هذه القلعة الشامخة الشاهدة على أعماله العدائية، إلا أن انسحاب الإسرائيلي منها عام 2000 مهزومًا ترك بصمة انهزامية في الفكر الاستيطاني والتدميري لدى العدو الإسرائيلي، وتنامت لديه “عقدة انتقامية” فما كان منه في بداية احتلاله للقلعة إلا أن رفع علمه فوق حجارتها التاريخية التي أبت إلا أن تكون حصنًا وحُضنًا حاميًا للجنوبيين، وهو انتهاك ليس لهوية القلعة فحسب بل للهوية التاريخية اللبنانية.      

إن تدمير التراث اللبناني والتاريخ الشاهد على الهوية اللبنانية لا يقتصر في العمل الاستيطاني والاستعماري لاحتلال الأرض فقط ونهب ثرواته بل يتخطاه إلى السيطرة النفسية والثقافية ليُوّلِّد لدى أصحاب الأرض والتاريخ أن هويتهم وتاريخهم وإرثهم الثقافي مهدد بالخطر وقابل للاندثار في أيِّ لحظة نتيجة التدمير الكامل ومحو معالم الآثار والشواهد الحيّة على الحياة الاجتماعية التي تمَّتوارثها من جيلٍ لآخر.

ولاستكمال هذا المخطط الإجرامي التدميري، لا زال العدو يقوم بتغيير الجغرافيا من سهول وجبال وبلدات وطرقات… في المناطق اللبنانية الجنوبية عبر تفجيراته تلك، وهي سياسة معتمدة ومدروسة من قِبَلِهِ في محاولات لفك ارتباط وانتماء اللبناني بأرضه وتاريخه وهويته، هذه السياسات التدميرية ما هي إلا سياسات انتقامية تصفى لتصنيفها بالأعمال الإرهابية لسعيها لتدمير الهوية والتاريخ مِن قِبل مَن لا تاريخ ولا هوية له.

   



 

 

 

Post Author: SafirAlChamal