لأول مرة في تاريخ المونديال… نهائي بين فلسطين وإسرائيل!!.. د. عاصم عبد الرحمن

في نهائي كأس العالم 2026، ستلتقي إسبانيا والأرجنتين على أرضية الملعب، وستتنافسان على الكأس الأغلى في كرة القدم. 

غير أن ملايين المشاهدين، ولا سيما في العالم العربي، لن يروا في هذا النهائي مجرد مواجهة بين مدرستين كرويتين عريقتين، بل سيقرأه بعضهم من زاوية تتجاوز المستطيل الأخضر، حيث تتقاطع الرياضة مع السياسة، ويطلّ الملف الفلسطيني على المشهد العالمي حتى في أكثر المناسبات الرياضية احتفاءً بالحياة.

 

ففي السنوات الأخيرة، اتخذت إسبانيا مواقف رسمية لافتة تجاه القضية الفلسطينية. فقد اعترفت بدولة فلسطين، ودعت إلى وقف إطلاق النار، وانتقدت العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، وأصبحت تُصنَّف بين أكثر الحكومات الأوروبية اقترابًا من الموقف الداعي إلى حماية الحقوق الفلسطينية والسعي إلى حل الدولتين.

 

في المقابل، انتهجت حكومة الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي سياسة خارجية قائمة على تعزيز التحالف مع إسرائيل، ووسعت التعاون السياسي والأمني والاقتصادي معها، وأكدت في أكثر من مناسبة دعمها الواضح للحكومة الإسرائيلية، بما في ذلك إطلاق “اتفاقات إسحق” التي عكست عمق هذا التقارب.

 

هذا التباين السياسي لا يجعل من إسبانيا “منتخب فلسطين”، ولا من الأرجنتين “منتخب إسرائيل”، فاللاعبون لا يصنعون السياسة، والمنتخبات الوطنية لا تختزل مواقف الحكومات، والشعوب أكبر وأكثر تنوعًا من أن تُختصر في قرار دبلوماسي أو موقف رسمي. لكن الرياضة، منذ نشأتها، لم تكن معزولة عن السياسة، بل كانت في كثير من الأحيان مرآةً لها.

 

ومنذ اندلاع الحرب في غزة، لم تعد القضية الفلسطينية حاضرة في المحافل السياسية وحدها، بل حضرت بقوة في الملاعب أيضًا. فقد شهدت بطولات ومباريات في قارات مختلفة رفع الأعلام الفلسطينية، ولافتات تدعو إلى وقف الحرب، ومواقف تضامن صدرت عن جماهير ولاعبين وشخصيات رياضية. ولم تقتصر هذه المظاهر على الجماهير العربية أو الإسلامية، بل امتدت إلى جماهير أوروبية وأميركية لاتينية وغيرها كان من أبرزها الثورة الطلابية العالمية، في مؤشر على أن القضية الفلسطينية أصبحت جزءًا من النقاش العالمي، حتى وإن ظلت الآراء حولها متباينة.

 

في إسبانيا، تزامنت مواقف الحكومة مع مشاهد متكررة من التضامن الشعبي مع الفلسطينيين في الشوارع وبعض الملاعب. وفي الأرجنتين، ورغم وجود أصوات سياسية وشعبية متضامنة مع الفلسطينيين أيضًا، فإن السياسة الرسمية للحكومة الحالية اتجهت بوضوح نحو تعزيز التحالف مع إسرائيل. وهذا التباين بين الموقفين الرسميين هو ما يمنح هذا النهائي، في نظر كثير من المتابعين، دلالة تتجاوز كرة القدم.

 

ولعل اللافت أن شريحة واسعة من الجمهور العربي لم تعد تفصل دائمًا بين الرياضة والسياسة عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية. فمنذ سنوات، تحولت فلسطين إلى رمز وجداني حاضر في الملاعب العربية والعالمية، وأصبح كثير من المشجعين يربطون ميولهم الرياضية أحيانًا بمواقف الدول من هذه القضية، كما يربطها آخرون بقضايا إنسانية أو أخلاقية أخرى. 

وفي المقابل، يبقى هناك من يصر على أن كرة القدم يجب أن تبقى بعيدة عن كل الاصطفافات السياسية، وأن التشجيع ينبغي أن يُبنى على التاريخ الكروي أو أسلوب اللعب أو الإعجاب باللاعبين، لا على مواقف الحكومات.

 

شهد التاريخ الرياضي أمثلة كثيرة على تداخل السياسة مع الملاعب؛ من مقاطعة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، إلى الحملات العالمية المناهضة للعنصرية، إلى التضامن مع أوكرانيا، وصولًا إلى الحضور المتزايد للقضية الفلسطينية في المدرجات. ولم يكن ذلك لأن الرياضة فقدت هويتها، بل لأنها بقيت انعكاسًا لما يشغل المجتمعات.

 

من هنا، فإن وصف نهائي إسبانيا والأرجنتين بأنه “نهائي بين فلسطين وإسرائيل” ليس أكثر من استعارة صحفية ترصد الطريقة التي ينظر بها قطاع من الرأي العام إلى هذا الحدث. 

إنها ليست مساواة بين منتخبات ودول، ولا اختزالًا للشعوب في حكوماتها، ولا تحميلًا للاعبين مواقف لا تخصهم، وإنما محاولة لفهم كيف أصبحت السياسة، شئنا أم أبينا، جزءًا من السردية التي ترافق حتى أكبر المناسبات الرياضية.

 

قد تُحسم المباراة بهدف، أو بركلة جزاء، أو بلمحة مهارة من لاعب. لكن خارج الملعب، ستظل هناك مباراة أخرى تدور في أذهان كثيرين؛ مباراة رمزية بين موقفين سياسيين متناقضين من واحدة من أكثر قضايا العصر حضورًا في الوعي العربي والعالمي.

 

ولعل هذا ما يجعل نهائي إسبانيا والأرجنتين حدثًا استثنائيًا، ليس لأنه أول نهائي يجمع منتخبين يحملان تاريخًا عريقًا فحسب، بل لأنه ربما يكون أول نهائي في كأس العالم يقرأه ملايين المتابعين، خصوصًا في العالم العربي، بوصفه نهائيًا بين موقفين سياسيين متباعدين من فلسطين وإسرائيل، حتى وإن بقي، في جوهره، مباراة كرة قدم لا أكثر.

Post Author: SafirAlChamal