في تاريخ الأمم، لا تُقاس أهمية الجلسات الافتتاحية بما تصدره من قرارات فحسب، بل بما تؤسسه من أعراف سياسية وثقافة مؤسساتية قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة. ومن هذا المنطلق، اكتسبت الجلسة الأولى لمجلس الشعب السوري أهمية استثنائية، ليس لأنها دشّنَت عمل المؤسسة التشريعية في المرحلة الجديدة فحسب، بل لأنها حملت مجموعة من المؤشرات التي حاولت تقديم صورة مختلفة عن الحياة البرلمانية التي عرفتها سوريا خلال العقود الماضية.
واكتملت هيئة رئاسة المجلس بانتخاب عبد الحميد العواك رئيسًا، ومصطفى موسى نائبًا أول، ومادونا بشارة نائبًا ثانيًا، ومؤيد حبيب أمينًا للسر، بعد عملية ترشح وتصويت جرت داخل قاعة المجلس، في مشهد ابتعد عن فكرة النتائج المحسومة سلفًا التي ارتبطت طويلًا بالمؤسسات التشريعية في عهد النظام السابق.
ولعل أكثر ما استرعى الانتباه أن عملية الانتخاب شهدت تنافسًا بين أكثر من مرشح، مع اعتماد التصويت داخل المجلس، بل وظهور ورقة بيضاء في انتخاب رئيس المجلس.
وقد يبدو هذا التفصيل بسيطًا، لكنه يعكس، من منظور برلماني، وجود مساحة للتعبير عن المواقف المختلفة داخل العملية الانتخابية نفسها. فالديمقراطية لا تُقاس بالإجماع الدائم، بل بإتاحة حرية الاختيار واحترام نتائجها.
كما حمل انتخاب مادونا بشارة نائبًا ثانيًا لرئيس المجلس دلالة إضافية، إذ يعكس حضور شخصيات من مكونات وطنية مختلفة في قيادة المؤسسة التشريعية، في رسالة سياسية تؤكد أن سوريا الجديدة تسعى، وفق الخطاب الرسمي، إلى بناء دولة تتسع لجميع أبنائها، وتقوم على مبدأ المواطنة والشراكة الوطنية.
واكتسبت الجلسة بعدًا سياسيًا أوسع مع حضور الرئيس أحمد الشرع وإلقائه الكلمة الافتتاحية، التي دعا فيها أعضاء المجلس إلى أن يكونوا نموذجًا للمسؤولية والكفاءة، وأن يرسخوا ثقافة الحوار وسيادة القانون واحترام المؤسسات.
ولم تكن هذه العبارات مجرد رسائل بروتوكولية، بل بدت بمثابة تصور للدور الذي يُراد للمجلس أن يؤديه خلال المرحلة المقبلة باعتباره شريكًا في بناء الدولة.
ومن المشاهد التي استوقفت المتابعين أيضًا أن كلمة الرئيس أحمد الشرع مرت من دون موجات التصفيق التي كانت تلازم كلمات الرئيس السابق بشار الأسد داخل مجلس الشعب. وقد رأى كثيرون في هذا المشهد مؤشرًا على اختلاف في طبيعة العلاقة بين المؤسسة التشريعية ورئيس الدولة، ومحاولة لترسيخ ثقافة يكون فيها البرلمان مساحة للاستماع والنقاش، لا مجرد منصة لإظهار التأييد.
وربما تكمن القيمة الأبرز لهذه الجلسة في بعدها التاريخي. فمنذ انعقاد المؤتمر السوري العام عام 1919، الذي مثّل أول تجربة وطنية للحياة النيابية السورية الحديثة، لم تشهد البلاد محطة تحمل هذا القدر من الرمزية في إعادة تأسيس المؤسسة التشريعية عقب تحول سياسي كبير. وبين التجربتين أكثر من قرن من الزمن، إلا أن القاسم المشترك بينهما يتمثل في السعي إلى بناء مؤسسات وطنية تعبّر عن إرادة السوريين وتؤسس لدولة القانون.
ومع ذلك، فإن نجاح أي تجربة برلمانية لا يُقاس بجلسة افتتاحية، مهما بلغت رمزيتها، بل بقدرة المؤسسات على ترسيخ تقاليد راسخة تقوم على استقلال القرار، وحرية النقاش، واحترام الرأي المخالف، وممارسة الدورين التشريعي والرقابي بعيدًا عن هيمنة السلطة التنفيذية. فالتاريخ لا يخلّد اللحظات الاحتفالية، وإنما يخلّد المؤسسات التي تثبت قدرتها على خدمة شعوبها وترسيخ الاستقرار السياسي.
وبذلك، يمكن النظر إلى الجلسة الأولى لمجلس الشعب السوري باعتبارها بداية تحمل الكثير من المؤشرات الإيجابية، لكنها ليست نهاية المطاف. فالسؤال الذي يطرحه عنوان هذه المرحلة يبقى مفتوحًا: هل تبدأ سوريا فعلًا عهدًا برلمانيًا مختلفًا؟ الإجابة لن تصنعها الجلسة الأولى، بل ستكتبها الممارسة اليومية للمجلس، ومدى قدرته على ترسيخ استقلاليته، وتعزيز دوره الرقابي والتشريعي، وتحويل هذه المؤشرات إلى تقاليد سياسية دائمة تعيد للحياة البرلمانية السورية مكانتها بعد عقود طويلة من الجمود.




