عندما حذّر البعض في لبنان بأنّ أجواء الإنقسام والتشنّج والتحريض السّياسي والطّائفي والمذهبي التي تعيشها البلاد حالياّ، تشبه الأجواء التي سادت قبل اندلاع الحرب الأهلية في 13 نيسان من العام 1975، وربما أخطر، لم يكن ذلك التحذير من باب التهويل ولا بثّ القلق والخوف في النفوس، إنّما كان ذلك إنذاراً بأنّ ناراً ملتهبة تشتعل تحت الرماد يُخشى أن تندلع في أيّ لحظة وتجعل لبنان ينزلق، بلا أيّ رادع، نحو مخاطر تهدّد وجوده ومصيره معاً.
هذه الأجواء بدأت بالظّهور تدريجياً في أعقاب عملية طوفان الأقصى التي نفذتها المقاومة في فلسطين في 7 تشرين الأول من العام 2023، وبلغت ذورتها غداة توقيع إتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل في 26 حزيران الماضي في العاصمة الأميركية واشنطن، حيث تسبّب الخلاف بين القوى السّياسية حول الإتفاق ببروز إنقسام عمودي خطير، وأحدث هوّة كبيرة بين هذه القوى تنذر بأنّ الأيام المقبلة ستكون صعبة وبالغة الخطورة.
فالمواقف السّياسية من الإتفاق المذكور رسمت تموضعاً سياسياً جديداً للقوى السّياسية بين مؤيّد لذلك الإتفاق ورافض له، ما جعل المشهد السّياسي في لبنان بعد الإتفاق غيره قبله، وأعطى إشارات في أنّ البلاد مقبلة على تطوّرات غير مطمئنة لم تتضح ملامحها بعد، بسبب التباعد الحاد في المواقف والإصطفافات بين المعسكرين، وسط غياب تام لأيّ طرف، داخلي او خارجي، عمل أو يعمل لرأب الصدع وتذليل الخلافات وتقريب وجهات النظر بين الطرفين، بشكل بدا وكأنّ الجميع إستسلم للغة التأجيج والإبتعاد عن لغة العقل والمنطق والمصالح الوطنية العليا، وترك البلد وحيداً في عين العاصفة.
فعند كلّ أزمة كان يشهدها لبنان، سواء منذ ولادة الكيان عام 1920 أو استقلاله عام 1943، أو خلال الأزمات العميقة التي عاشها من ثورة عام 1958 والحرب الأهلية في العام 1975، وصولاً إلى اليوم، كان هناك أطراف وقوى سياسية، لبنانية وخارجية، تعمل كوسطاء بين المتنازعين من أجل معالجة الأزمات وإنهاء الصّراعات التي كانت تأخذ غالباً طابعاً دموياً، بدعم خارجي لم يكن يوماً غائباً لتغذية هذه الصّراعات، وكانت جهود الوسطاء، على اختلافهم، برغم أنّها كانت تنجح حيناً وتفشل أحياناً، تعطي أملاً في إنهاء الأزمات، ولو مؤقّتاً، وإيجاد حلول ولو جزئيّة لها.
هذه الأيّام لا يبدو فقط أنّ الوسطاء تقاعدوا عن أداء دورهم، لا بل يتضح أنّه لا يوجد وسطاء وسعاة خير أصلاً، وأنّ البلد متروكٌ لقدره بحيث ينزلق نحو الهاوية من غير أن تجد من يوقف هذا الإنزلاق الذي قد يؤدّي إلى اندلاع حرب أهلية جديدة بات كثيرون يحذّرون منها مؤخّراً، برغم مخاطر عديدة تهدّده، وعلى رأسها التهديد الإسرائيلي الذي يصول ويجول معربداً في لبنان وفي سوريا وقطاع غزّة والضفّة الغربية أيضاً بلا حسيب أو رقيب، ومن غير أن تجد من يردعه ولا من يوقفه عند حدّه.




