البند 13 في الاتفاق الإطاري.. عندما تقتل السلطة شهداء الوطن مرتين!.. عماد عبدالمجيد

لم يقتصر الجدال حول إتفاق الإطار الموقع في واشنطن بين لبنان وإسرائيل على تخلي السلطة عن السيادة الوطنية وصولا الى الاستسلام للعدو، بل تعداه الى نقاش واسع إمتد الى حق الشهداء المدنيين من صحافيين، مسعفين ومدنيين، والذي يُسقطه البند الثالث عشر من الاتفاق الذي يتجاوز الإطار الدبلوماسي الى منع السلطة عن ملاحقة الجرائم الاسرائيلية المرتكبة بحق اللبنانيين.

وينص البند الثالث عشر على أنه “انسجاما مع هدفهما المشترك المتمثل في إقامة علاقات مستقرة وسلمية، تلتزم إسرائيل ولبنان باتخاذ إجراءات بحسن نية تعكس نياتهما الايجابية، بما في ذلك وقف كل الأعمال العدائية أو الضارة في المحافل السياسية أوالقانونية الدولية”. 

هذه الصياغة أثارت مخاوف الكثير من اللبنانيين الذين اعتبروا أن وقف “الأعمال العدائية أو الضارة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية” قد يُفسَّر على أنه التزام بعدم اللجوء إلى المؤسسات القضائية الدولية أو الامتناع عن تحريك ملفات قانونية ضد إسرائيل بشأن الانتهاكات التي ارتُكبت في لبنان، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول مستقبل الدعاوى القائمة، وإمكانية فتح ملفات جديدة تتعلق بجرائم قد ترقى، وفق توصيف منظمات حقوقية دولية، إلى جرائم حرب.

ورغم أن تفسير هذا البند سيبقى مرتبطاً بالنص الكامل للاتفاق وآليات تطبيقه، فإن مجرد وجود هذا الالتزام يزرع خوفًا مشروعاً لدى عائلات آلاف الضحايا والتي تتطلع الى العدالة، وفي مقدمتهم عائلات الصحافيين الذين إرتقوا أثناء أداء واجبهم المهني.

فهؤلاء الصحافيون لم يكونوا مقاتلين، بل كانوا يحملون الكاميرا والقلم، ويوثقون وقائع الحرب قبل أن يصبحوا هم أنفسهم ضحاياها، ومن بينهم: الشهداء: أمال خليل، علي شعيب، فاطمة فتوني، محمد فتوني، عصام عبدالله، غسان نجار، محمد رضا، وسام قاسم، فرح عمر، ربيع معماري، هادي السيد كامل كركي وحسين عقيل، وغيرهم إضافة الى الشهداء الأحياء. 

وتقف خلف كل اسم من هذه الأسماء عائلة تنتظر الحقيقة والعدالة، لا تسوية سياسية قد تُطوى معها الملفات وتُغلق الأبواب أمام أي مساءلة.

 

ولا يقتصر الأمر على الصحافيين. فهناك أيضاً عشرات المسعفين الذين استُهدفوا أثناء قيامهم بواجبهم الإنساني، إضافة إلى رؤساء بلديات وأعضاء مجالس بلدية ومدنيين سقطوا في القرى والبلدات اللبنانية. وهؤلاء جميعاً يشكلون جزءاً من سجل طويل من الضحايا الذين يطالب ذووهم بالمحاسبة، لا بالتنازل عن حقوقهم.

 

ومن هنا تنبع الهواجس الحقيقية لدى الأهالي. فإذا أصبح اللجوء إلى المحافل القانونية الدولية مقيداً أو موضع التزام سياسي بعدم استخدامه، فكيف يمكن لعائلات الضحايا أن تطالب بحقوق أبنائها؟ وكيف يمكن ردع أي انتهاكات مستقبلية إذا شعر المعتدي بأن احتمالات الملاحقة القانونية قد تراجعت؟

 

وفي هذا الإطار يستحضر البعض مواقف سياسية سابقة اعتبرت بمثابة تمهيد لهذا المنحى الاستسلامي، ومن بينها تصريحات وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي عن “حق إسرائيل في قصف لبنان طالما أن حزب الله لم يسلم سلاحه”، ويرى هؤلاء أن هذه التصريحات تستخدمها إسرائيل اليوم لنقل النقاش من مساءلة إسرائيل عن جرائمها بموجب القانون الدولي الإنساني إلى التركيز على الذرائع السياسية، وهو ما يرفضه كثير من القانونيين الذين يؤكدون أن أي دولة، مهما كانت مبرراتها الأمنية، تبقى ملزمة باحترام قواعد القانون الدولي، وأن الانتهاكات بحق المدنيين والصحافيين والمسعفين لا تصبح مشروعة بسبب وجود نزاع مسلح أو خلاف سياسي.

 

يمكن القول، إن أي اتفاق يسعى إلى تثبيت الاستقرار ينبغي ألا يكون على حساب حقوق الضحايا، لأن السلام الحقيقي لا يقوم على إسقاط العدالة، بل على تكريسها. 

كما أن التسويات السياسية قد تنهي الحروب، لكنها لا ينبغي أن تغلق باب المحاسبة على جرائم ما زالت آثارها حاضرة في كل بيت لبناني فقد شهيداً أو جريحاً، وفي حال إرتضت السلطة توسيات من هذا النوع، فإنها بذلك تقتل شهداء الوطن مرتين. 

 

Post Author: SafirAlChamal