بين مسارَيّ سويسرا وواشنطن: ماذا تريد إسرائيل من المفاوضات المباشرة مع لبنان؟.. غسان ريفي

عُقدت جلسة المفاوضات المباشرة الخامسة بين إسرائيل ولبنان في واشنطن، على وقع بنود مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية التي ألقت بظلالها على مجمل النقاشات. 

وفي الوقت الذي حاولت فيه إسرائيل، مدعومة بتصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، فصل الملف اللبناني عن المسار الإيراني، بدا أن الهدف الأساسي يتمثل في استفراد لبنان وفرض الشروط الإسرائيلية عليه بعيداً عن التفاهمات الإقليمية الأوسع.

 

لم يُظهر الموقف الإسرائيلي أي تراجع عن المطالب السابقة، وفي مقدمتها السعي إلى شراكة مع الحكومة اللبنانية في ملف نزع سلاح حزب الله، وربط أي انسحاب من الأراضي اللبنانية بتحقيق هذا الهدف. 

كما أن الحديث عن انسحاب جزئي لا يبدو، وفق المعطيات المتوافرة، مبادرة حسن نية تجاه لبنان الذي تجاوز المحرمات السياسية وذهب إلى خيار التفاوض المباشر، بل يأتي في إطار الالتزام بالبند الأول من مذكرة التفاهم التي تشير المعلومات إلى أن المفاوضات بشأنها دخلت مرحلة جدية في سويسرا، ويتضمن وقف إطلاق النار والحفاظ على سيادة لبنان ووحدة أراضيه، بما يفرض عملياً مساراً يؤدي إلى الانسحاب الإسرائيلي.

 

وعلى الرغم من التصريحات التصعيدية التي يطلقها بنيامين نتنياهو ووزراؤه، والتي تُوجه بالدرجة الأولى إلى الرأي العام الإسرائيلي في محاولة لتحسين الصورة السياسية والتخفيف من وقع الضغوط الأميركية المتزايدة، فإن الوقائع الميدانية تشير إلى أن الجيش الإسرائيلي يمهد فعلياً لانسحاب جزئي من جنوب لبنان.

 

إلا أن هذا الانسحاب يثير خلافاً داخل إسرائيل حول نطاقه ومناطقه وآلياته. ويكتسب هذا الخلاف بعدين أساسيين: سياسي وعسكري.

 

على المستوى السياسي، ترتبط الحسابات الإسرائيلية بالاستحقاق الانتخابي المرتقب في تشرين الأول المقبل، حيث يترقب مختلف الأطراف تأثير صناديق الاقتراع على مستقبل نتنياهو السياسي، في وقت يسعى فيه إلى تأجيل هذا الاستحقاق خشية أن يشكل نهاية لمسيرته السياسية في ظل تنامي الاعتراضات عليه داخل المجتمع الإسرائيلي.

 

أما البعد العسكري، فيتعلق بكيفية تنفيذ الانسحاب وأماكن إعادة التموضع وآليات تجنب التعرض لخسائر إضافية في حال حصول أي هجوم مهما كانت أسبابه، خصوصاً أن هذا الانسحاب لا يجري نتيجة قرار إسرائيلي مستقل، بل تحت ضغط أميركي واضح. 

ومن هنا يحاول نتنياهو اعتماد سياسة الانسحاب البطيء وشراء الوقت على أمل أن تتعثر المفاوضات الأميركية – الإيرانية أو تتغير الظروف الإقليمية بما يسمح له بإعادة خلط الأوراق.

 

في غضون ذلك، تعكس تصريحات الوزير روبيو، القريب من اللوبي الصهيوني، بشأن ضرورة فصل الملف اللبناني عن إيران، وتحذيره من استعادة حزب الله قوته، وجود توجه داخل الإدارة الأميركية يسعى إلى توفير مساحة سياسية جديدة لنتنياهو، من خلال إعادة ربط الانسحاب الإسرائيلي بملف سلاح حزب الله.

 

إلا أن القراءة الفعلية للمشهد تكشف وجود مسارين متوازيين. الأول هو المسار السويسري الذي أرسى وقف إطلاق النار وربط الملف اللبناني بمذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية. 

أما الثاني فهو مسار واشنطن، أي المفاوضات المباشرة، الذي تحاول إسرائيل من خلاله تحقيق مكاسب إضافية لم تتمكن من انتزاعها في الميدان أو عبر التفاهمات الإقليمية.

 

لذلك، يقف مؤيدو استمرار مسار واشنطن أمام اختبار حقيقي يتمثل في القدرة على تحقيق الأولويات الوطنية اللبنانية، وفي مقدمتها تثبيت وقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي، ووقف الاغتيالات والخروقات، وإطلاق الأسرى، وعودة الأهالي إلى قراهم. وهي أهداف يفترض أن يتمسك بها لبنان وأن تبقى بعيدة عن الحسابات الانتخابية لنتنياهو ومحاولاته توظيف المفاوضات لتحسين موقعه السياسي الداخلي.

 

وتشير المعلومات المتداولة إلى أن إسرائيل اقترحت خلال جلسة التفاوض الانسحاب من كفرتبنيت ومرتفعات النبطية من دون الانسحاب من قلعة الشقيف، وهو ما رفضه الجانب اللبناني. كما طرحت انسحابات جزئية في القطاع الغربي، إلا أن لبنان تمسك بالانسحاب من المنطقة الصفراء، وأصر على أن تشملها أي ترتيبات انتقالية أو مناطق تجريبية في حال إقرارها. غير أن فكرة المناطق التجريبية نفسها تواجه رفضاً من شريحة لبنانية واسعة، باعتبار أنها تمنح إسرائيل حق تقييم أداء السلطة اللبنانية والجيش اللبناني بصورة مباشرة.

 

وتبدو الحسابات الصهيونية أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، إذ تواجه إسرائيل أزمات كبرى أدت إلى انقسام الآراء داخل المجتمع الإسرائيلي، بين الذهاب نحو مواجهة جديدة تحت عنوان: “تحقيق الوعود التي أطلقها نتنياهو بالقضاء على المقاومة وتأمين المستوطنات الشمالية بغض النظر عن الخسائر التي يمكن أن تلحق بالجيش”، وبين الانسحاب الكامل والتخلي عن المشاريع الصهيونية المرتبطة بالجنوب اللبناني، خصوصا بعد الفشل في تحقيق أي هدف من أهداف الحرب على لبنان.

 

لذلك يمكن اعتبار أن الجلسة الخامسة انتهت في يومها الأول من دون نتائج عملية ملموسة. فإسرائيل ما زالت تتعامل مع المفاوضات باعتبارها أداة لتحقيق مكاسب سياسية وأمنية، ولإظهار أنها ما تزال تمتلك زمام المبادرة في لبنان، أكثر مما تتعامل معها كمسار يؤدي إلى تسوية متوازنة. 

كما أن تجربتها السابقة لا تقدم مؤشرات كافية على استعدادها للالتزام بنتائج المفاوضات أو تقديم خطوات إيجابية للطرف المقابل.

هذا الواقع من شأنه أن يضع السلطة اللبنانية أمام ضرورة قراءة المشهد بدقة، والاستفادة من عناصر القوة التي يوفرها وقف إطلاق النار والتواصل مع الإدارة الأميركية من أجل تنفيذ البنود المتعلقة بلبنان في مذكرة التفاهم، بما يضمن تثبيت السيادة اللبنانية وتحقيق الأولويات الوطنية، بعيداً عن محاولات إسرائيل توظيف المفاوضات لخدمة حساباتها الداخلية.

Post Author: SafirAlChamal