معادلة الضاحية – تل أبيب: كيف أخضعت مفاوضات النار واشنطن لشروط محور المقاومة؟.. وسام مصطفى

يتجاوز إعلان التفاهم الأمريكي – الإيراني لوقف الحرب على الجبهات كافة، ولا سيما في لبنان، كونه مجرد ترتيبات دبلوماسية فرضتها حاجة الأطراف إلى التقاط الأنفاس، ليشكّل إعلاناً رسمياً عن ولادة خارطة توازنات إقليمية جديدة خطّتها “مفاوضات النار” لترسم ملامح متقدّمة لموازين القوى في المنطقة؛ ففي عالم العلاقات الدولية المعاصر، لا تُصنع السياسة في ردهات الفنادق الفخمة ولا عبر جولات الموفدين الدوليين الذين يحملون الشروط والإملاءات، بل تُنتزع انتزاعاً من الميدان.

وفي هذا الميدان تمكّنت الجمهورية الإسلامية في إيران، بالتكافل والتكامل مع قوى المقاومة في المنطقة، وبخاصة في لبنان، من إرساء معادلة استراتيجية غير مسبوقة في الصراع مع المحور الأمريكي – الإسرائيلي، فقد أسقطت هذه المعادلة أوهام “الشرق الأوسط الجديد” الذي حاولت واشنطن وتل أبيب فرضه عبر آلة القتل والتدمير، وثبّتت بدلاً منه واقعاً جيوسياسياً يفرض فيه محور المقاومة شروطه بقوة الردع وتوازن الرد المتكافئ.

 

شكلت محطة الثاني من آذار نقطة تحول جوهرية في مسار المواجهة على الجبهة اللبنانية، فبعد ١٥ شهراً من إمعان العدو الإسرائيلي في خرقه اتفاق وقف اطلاق النار وارتكاب الجرائم. التدمير الممنهج للقرى في الجنوب، أعادت المقاومة في لبنان تكريس “توازن النار” بحرفية عسكرية بالغة وعزيمة لا تلين، ولم تكن الردود الصاروخية والعمليات النوعية التي نفذتها المقاومة بعد هذا التاريخ مجرد رد فعل موضعي، بل كانت تقريراً عسكرياً ميدانياً بالدم والنار، مفاده أن البنية العسكرية والتنظيمية للمقاومة ما زالت بكامل عافيتها وقدرتها على إيلام العدو في عمقه الاستراتيجي. واكدت المقاومة بهذا التوازن بشكل واضح للاحتلال ولواشنطن من خلفه، أن الاستمرار في حرب الاستنزاف أو محاولة فرض شروط إذلال على لبنان عبر القصف والتدمير ستقابل بكلفة باهظة وغير قابلة للاستيعاب داخل الجبهة الداخلية الإسرائيلية المصابة بالإنهاك والتصدع.

 

من الضاحية إلى تل أبيب: الصواريخ الإيرانية تعيد رسم المعادلة

 

اتخذ توازن النار أبعاداً إقليمية حاسمة عندما حاولت “إسرائيل” تجاوز الخطوط الإيرانية الحمر باستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، وهنا دخلت طهران على خط المواجهة المباشرة وبشكل حاسم، معلنةً أن المساس بالعمق اللبناني وببيئة المقاومة هو مساس بالأمن القومي للمحور بأسره.

جاء الرد الإيراني المباشر على “إسرائيل” ليرسخ معادلة “الضاحية – تل أبيب”، ولكن هذه المعادلة لم تكتب ببيانات الإدانة أو المساعي الدبلوماسية، بل كُتبت بحروف من نار وصواريخ باليستية إيرانية دقيقة عبرت الأجواء وحطت في قلب الكيان ومستوطناته.

هذا الرد الإيراني التاريخي أحدث صدمة استراتيجية لدى مراكز القرار في تل أبيب وواشنطن، حيث أدرك الطرفان أن أي تمادٍ في استهداف العاصمة اللبنانية وضاحيتها سيعني تلقائياً فتح أبواب الجحيم الصاروخي على تل أبيب ومرافقها الحيوية ومطاراتها وقواعدها العسكرية.

فرضت الصواريخ الإيرانية مظلة حماية متبادلة، وربطت أمن العواصم بعضها ببعض، مما جعل أي مغامرة إسرائيلية غير محسوبة العواقب تهدّد وجود الكيان برمته.

 

في موازاة ذلك، تظهر القراءة الموضوعية لواقع الصراع الحالي بوضوح افتراق الميدان والسياسة اللبنانية بين مسارين متناقضين كلياً في الجوهر والنتيجة.. المسار الأول هو “مفاوضات النار والردع” الذي ينتهجه محور المقاومة، وينطلق أساساً من مكامن القوة الميدانية وامتلاك الصواريخ الدقيقة وتفعيل توازن الردع الصارم. وقد حقّق هذا التوجه غايته الفعلية بإجبار واشنطن وتل أبيب على وقف الحرب دون القدرة على فرض شروط إذلال وإخضاع، مما ساهم في تثبيت معادلة “الضاحية – تل أبيب” وتعزيز موقع لبنان الإقليمي كطرف صامد وعصي على الانكسار.

أما المسار الثاني، فهو “مفاوضات التنازل والتفريط” التي جرت بعض كواليسها بين بيروت وواشنطن، حيث انطلق من موقع الضعف واستجداء الحلول السياسية، والرهان الواهم على النوايا الأمريكية الأحادية، والنتيجة الحتمية لهذا المسار الاستسلامي لم تكن سوى تشجيع إسرائيلي على قضم السيادة اللبنانية وإضعاف الموقف العام، وتحويل البلاد إلى مجرد ورقة ملحقة بالمشاريع الأمريكية – الإسرائيلية في المنطقة، وهو ما أسقطه الميدان في نهاية المطاف.

ولكن كيف خضع دونالد ترامب لشروط طهران؟

أمام هذا الجدار السميك من الردع الميداني، وأمام الفشل الإسرائيلي الواضح في تحقيق أي من الأهداف الاستراتيجية للحرب على الرغم من حجم الخسائر البشرية والدمار الهائل وازمة النزوح الجماعي، وجدت الإدارة الأمريكية نفسها مجبرة على مراجعة حساباتها، فدونالد ترامب الذي عاد إلى البيت الأبيض حاملاً شعارات الحسم والصفقات الكبرى وعقدة “إنهاء الحروب”، اصطدم بحقيقة أن لغة التهديد والتهويل لا تنفع مع طرف يتقن “مفاوضات النار” كإيران.

لقد أتقنت طهران إدارة التداول بأوراق القوة الميدانية؛ عرفت متى تصعّد، ومتى تضرب في العمق، ومتى تتيح للدبلوماسية أن تتحرك مستندة إلى إنجازات الميدان، وهذا الإتقان الإيراني هو الذي أجبر ترامب في نهاية المطاف على الخضوع للشروط الإيرانية، والتي كان على رأسها وبشكل غير قابل للنقاش: الوقف الفوري والشامل للحرب على الجبهات كافة ولا سيما في لبنان.

إن تراجع الإدارة الأمريكية وقبولها بالاتفاق الذي يحمي الجبهات ولا سيما الجبهة اللبنانية، يمثل اعترافاً أمريكياً صريحاً بالعجز عن كسر إرادة المحور، وإقراراً بأن المخطط الذي أريد منه سحق المقاومة قد تحطم عند صخرة الصمود والتكامل.

في مقابل هذا الإنجاز الاستراتيجي الذي حققته جبهة المقاومة وعمادها طهران عبر “مفاوضات النار”، تبرز في المشهد اللبناني والمحلي أصوات ومسارات حاولت الترويج لمفاوضات التفريط بالحق اللبناني في أروقة واشنطن ومؤسساتها. إن هذه المسارات، التي انطلقت من عقلية التنازل والرهان على ما يسمى “الضمانات الأمريكية” والمراهنة على ضعف الموقف اللبناني، أثبتت التجربة عقمهما التاريخي، حيث إن الهرولة نحو واشنطن بجيوب فارغة من عناصر القوة، والقبول بمسار التنازلات تحت وطأة الضغط والتهويل، لم ولن تؤدي سوى إلى أمر واحد: مزيد من الاستسلام، وقضم الحقوق السيادية للبنان في بره وبحره وجوه، وإضعاف موقع لبنان في المعادلة الإقليمية والدولية.

إن الدرس البليغ الذي صاغه إعلان التفاهم الأمريكي – الإيراني المرجح تحويله إلى اتفاق مبرم، والذي يجب أن يعيه كل عاقل في لبنان والمنطقة، هو أن الحقوق لا تُستجدى على عتبات البيت الأبيض، وأن الذي يحمي لبنان ويصون سيادته ويمكّنه من فرض شروطه ليس الوعود الدبلوماسية المخادعة، بل هو “توازن النار” الذي دشنته المقاومة في الثاني من آذار، وحروف الصواريخ الإيرانية التي حفرت معادلة “الضاحية – تل أبيب” في وعي قادة الاحتلال إلى الأبد، وجعلت من لبنان رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه في معادلات الشرق الأوسط الجديد.

 

Post Author: SafirAlChamal