تتجه الأنظار إلى لبنان بوصفه أحد أبرز ساحات التأثر بالتطورات الإقليمية المتسارعة، خصوصاً في ظل تأكيد إيران على تثبيت وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية التي احتلتها.
وفي هذا السياق، بدت العملية الإسرائيلية التي استهدفت منطقة الغبيري في الضاحية الجنوبية يوم الأحد الفائت وكأنها جاءت في إطار محاولة أوسع لتقويض التفاهمات وإعادة خلط الأوراق على المستوى الإقليمي.
وفق هذه القراءة، لم يكن الهدف العسكري للعملية منفصلاً عن أهداف سياسية واستراتيجية متعددة، أبرزها منح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هامشًا أوسع للمناورة الداخلية، والتأكيد أنه صاحب القرار لا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتشويش على مسار التفاهمات والاتفاقات المطروحة، إضافة إلى محاولة تكريس ما تسميه إسرائيل “حرية الحركة” داخل الأراضي اللبنانية.
ومنذ ذلك الحين، يواصل نتنياهو السعي إلى تثبيت هذا الواقع من خلال خروقات متكررة لوقف إطلاق النار، تمثلت بقصف مناطق عدة في الجنوب اللبناني، من سجد والعيشية إلى مرتفعات علي الطاهر ووادي السلوقي وغيرها، فضلاً عن محاولات التقدم باتجاه برعشيت، وتدمير بعض المنازل فيها.
في المقابل، تمسكت المقاومة بثوابتها المعلنة، وفي مقدمتها رفض العودة إلى ما قبل الثاني من آذار، ورفض منح إسرائيل حرية الحركة التي تسعى إلى فرضها كأمر واقع، وردّت عبر سلسلة عمليات استهدفت تجمعات عسكرية إسرائيلية.
في الداخل الإسرائيلي، تبدو قيادة نتنياهو أمام تحديات متزايدة، وهو يحاول إقناع الرأي العام الصهيوني بأنه حقق أهداف الحرب سواء في لبنان أو في ما يتعلق بالملف الإيراني ومنع امتلاك طهران للسلاح النووي الذي كان سيدمر إسرائيل. إلا أن المؤشرات الداخلية لا تعكس اقتناعاً كاملاً بكلام نتنياهو، وهو ما ظهر أيضاً في استمرار الضغوط السياسية عليه حيث رفض قضاة المحكمة تقليص شهادته أمامها اليوم.
أما على المستوى الدبلوماسي، فقد تركزت الساعات الأخيرة من الوساطات الدولية والإقليمية حول الملف اللبناني، ولا سيما قضية الانسحاب الإسرائيلي.
وتشير المعطيات إلى أن إيران أبلغت الوسطاء استعدادها للرد على إسرائيل بعد استهدافها الضاحية، ما دفع الجهود الدبلوماسية إلى تكثيف العمل من أجل تثبيت بند الانسحاب خلال ستين يومًا مقابل احتواء احتمالات التصعيد العسكري.
هذا الواقع يطرح سؤالاً لبنانياً أساسياً حول جدوى الذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، في وقت تتمحور المطالب اللبنانية أصلاً حول وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي، وهما بندان تحققا نتيجة الضغوط الإيرانية.
لذلك ينبغي أن تتركز الجهود اللبنانية لمتابعة تنفيذ التعهدات عبر التواصل مع الولايات المتحدة والوسطاء المعنيين، بدلاً من الانتقال إلى مسار تفاوضي مباشر قد يحمل أثماناً سياسية غير ضرورية.
علمًا أن وقف إطلاق النار والانسحاب يحظيان بغطاء من الوسطاء والدول الأوروبية والمجتمع الدولي، ما يمنح لبنان، وفق هذا المنظور، حصانة سياسية وقانونية في مواجهة أي خرق إسرائيلي، ويكرس في الوقت نفسه حق المقاومة في الرد على الاعتداءات.
وفي هذا الإطار، تبرز دعوات إلى أن تستثمر الدولة اللبنانية ما تحقق من نتائج سياسية وأمنية، وأن تعيد تقييم مقاربتها للعلاقات الإقليمية، ولا سيما مع إيران التي قدمت للبنان وقف إطلاق النار والانسحاب.
ومن هنا، يُنظر إلى الدور البارز الذي أداه رئيس مجلس النواب نبيه بري، باعتباره مسارًا سياسيًا سعى إلى إنهاء الحرب عبر القنوات الدبلوماسية والإقليمية من دون مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وهو كان قد نصح السلطة اللبنانية بذلك، وبضرورة استمرار التواصل مع إيران، لكن السلطة اختارت مسارًا مغايرًا، لم يفض إلى أي نتائج إيجابية.
على المستوى العربي، تبرز مواقف داعمة للاستقرار اللبناني. فمصر ترى أن مفاوضات إسلام أباد سوف تنعكس إيجاباً على لبنان، فيما تؤكد السعودية باستمرار أهمية التمسك باتفاق الطائف ومبادرة السلام العربية كمرجعية لأي معالجة سياسية مستقبلية. وتوحي هذه المواقف بأن أي اندفاع لبناني نحو استمرار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل أو تقديم تنازلات سياسية خارج هذا الإطار لا ينسجم مع الرؤية العربية السائدة لمعالجة الصراع.
يمكن القول إن لبنان يقف أمام مرحلة دقيقة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية والإقليمية.
وبين تثبيت وقف إطلاق النار واستكمال الانسحاب الإسرائيلي، وبين الضغوط الدافعة نحو مسارات تفاوضية جديدة، ومحاولات نتنياهو فرض وقائع ميدانية جديدة، تبدو الحاجة ملحة إلى مقاربة لبنانية موحدة تستند إلى عناصر القوة، وتحافظ في الوقت نفسه على شبكة العلاقات الإقليمية والدولية القادرة على حماية المصالح اللبنانية في المرحلة المقبلة.






