في الشرق الأوسط، لا تُصنع الاتفاقات الكبرى على طاولات التفاوض وحدها، بل تُكتب البنود الاساسية في الميدان، وما جرى في الساعات الأخيرة التي سبقت توقيع مذكرة التفاهم ،بين الولايات المتحدةالامريكية وإيران، لم يكن استثناءً عن هذه القاعدة، بل ربما كان المثال الأوضح والأصح .
فبينما كانت الأنظار تتجه إلى العاصمة الباكستانيةإسلام آباد ، حيث كانت ترتسم ملامح اتفاق شامل لوقف إطلاق النار، وفتح مسار تفاوضي جديد، كانت المنطقة تعيش واحدة من أكثر اللحظات الحساسة والخطيرة، ففي تلك الساعات تحديداً، نفّذت الطائرات الإسرائيلية غارة على الضاحية الجنوبية لبيروت مستهدفة منطقة الغبيري، في خطوة بدت وكأنها محاولة أخيرة لفرض وقائع سياسية وميدانية جديدة قبل ولادة الاتفاق او العمل على (تخريب الاتفاق) ولكن ،ما بدا للبعض محاولة لتحسين شروط التفاوض، تحوّل سريعاً إلى عامل ضغط معاكس، فتلك الغارة وضعت المنطقة على حافة مواجهة إقليمية واسعة، بعدما ارتفعت احتمالات الرد الإيراني المباشر بصورة غير مسبوقة، وفي تلك اللحظة، لم يعد السؤال المطروح داخل دوائر القرار الأمريكية، يتعلق بكيفية انتزاع المزيد من التنازلات من طهران، بل بكيفية منع انفجار إقليمي شامل ،قد يجر المنطقة بأكملها إلى حرب مفتوحة لا يمكن التكهن بنتائجها.
هنا بدأت حركة الوسطاء والاتصالات المكثفة، وتبدلت الأولويات، فالخوف من الرد الإيراني، وما قد يستتبعه من تدحرج للأحداث دفع واشنطن، وفق هذه القراءة السياسية، إلى الانتقال من منطق الضغط إلى منطق الاحتواء، ومن محاولة توسيع دائرة الشروط، إلى البحث عن صيغة سريعة تضمن وقف الانفجار قبل وقوعه،ولعل أفضل دليل على هذا التحول، يكمن في طبيعة البنود المتداولة نفسها، فبدلاً من الإصرار على إدراج البرنامج الصاروخي الإيراني، أو دور محور المقاومة في المنطقة ضمن المفاوضات النهائية، انحصر النقاش في الملف النووي ،والعقوبات الاقتصادية المفروضة على ايران ومحور المقاومة بطبيعة الحال ، وبدلاً من تحويل التسوية إلى منصة لإعادة رسم النفوذ الإقليمي بالقوة، جرى عملياً التعامل مع الوقائع القائمة باعتبارها حقائق لا يمكن تجاوزهابأي شكل من الأشكال.
ومن هنا تبرز أهمية الاتفاق ،وما يحمله من دلالات تتجاوز حدود إيران والولايات المتحدة الامريكية ، فهو لا يتحدث عن وقف مواجهة ثنائية فحسب، بل عن وقف شامل لإطلاق النار على امتداد ساحات الاشتباك المرتبطة بمحور المقاومة، من جنوب لبنان إلى غزة، ومن خطوط التوتر الإقليمية المختلفة إلى الممرات البحرية الحساسة، لتبدو المنطقة وكأنها أمام محاولة لإقفال أبواب الحرب دفعة واحدة،
وفي هذا السياق، يصبح من الصعب تجاهل حقيقة أن محور المقاومة خرج من المفاوضات، وفق البنود المتداولة، خارج دائرة التنازل المباشر، فملف الصواريخ لم يُدرج، وملف الحلفاء الإقليميين لم يتحول إلى بند تفاوضي، فيما تركزت النقاشات على الملف النووي ( مع الإشارة إلى الفتوى الايرانية بعدم تصنيع سلاح نووي ) ،والعقوبات الاقتصادية وإعادة تنشيط الاقتصاد الإيراني أما لبنان، فيقف في قلب هذه المعادلة، فكل ما جرى خلال الأشهر الماضية، كان يدور حول محاولة فرض قواعد اشتباك جديدة، تسمح لإسرائيل باستهداف الضاحية الجنوبية مقابل أي حدث أمني يقع في الشمال الفلسطيني المحتل، غير أن التطورات الأخيرة أظهرت حدود هذه المحاولة، وأعادت التذكير بأن أي اعتداء كبير، لم يعد يُقرأ في الإطار اللبناني الضيق، بل ضمن معادلة إقليمية أوسع باتت طهران جزءاً مباشراً منها وعليه، فإن الغارة على الغبيري قد تُسجل مستقبلاً ليس بوصفها آخر محطات التصعيد، بل باعتبارها اللحظة التي سرّعت ولادة الاتفاق فما أرادته دولة الإحتلال ورقة ضغط تحول، وفق هذه القراءة، إلى عامل دفع نحو تسوية أوسع خشية التدحرج إلى مواجهة لا يريدها أحد( سوى الإسرائيلي )، لكن رغم كل ما سبق، يبقى السؤال الأكثر أهمية: هل ستلتزم دولة الإحتلال فعلاً بما سيُوقَّع؟.
فالنجاح الحقيقي لأي اتفاق لا يُقاس بما يحتويه من بنود، بل بمدى احترام هذه البنود بعد التوقيع، وإذا كانت مذكرة التفاهم تنص عملياً على وقف شامل لإطلاق النار، وتهدئة مختلف الجبهات، وفتح الطريق أمام معالجة الملفات السياسية والاقتصادية، فإن الاختبار الفعلي يبدأ في اليوم التالي للتوقيع،وهنا الأسئلة الأهم .
هل سيلتزم الاحتلال الإسرائيلي بوقف الاعتداءات على لبنان؟ وهل سيتوقف مسلسل الخروقات الجوية والبحرية؟ وهل سينسحب من الأراضي التي لا يزال يحتلها في الجنوب اللبناني؟ وهل ستتوقف الحرب على غزة بصورة فعلية؟ أم أن الأمر لن يتجاوز هدنة مؤقتة ،بانتظار ظروف أكثر ملاءمة لاستئناف العمليات العسكرية؟.
هذه الأسئلة ليست تفصيلاً ثانوياً، بل هي جوهر الاتفاق نفسه، فالتجارب الطويلة في المنطقة، جعلت كثيرين ينظرون إلى ما يجري بحذر شديد، خصوصاً عندما يكون الطرف الإسرائيلي جزءاً من المعادلة، لذلك لا يبدو مستغرباً أن يتمسك محور المقاومة، بأوراق القوة التي يمتلكها، باعتبارها الضمانة الوحيدة لردع أي محاولة، للتراجع عن الالتزامات أو الالتفاف عليها لاحقاً.
في المحصلة، قد يكون الاتفاق المرتقب ،أحد أهم التحولات السياسية في المنطقة منذ سنوات طويلة، لكنه في الوقت نفسه لا يعلن نهاية الصراع بقدر ما يفتح فصلاً جديداً منه، فالرابح الأكبر حتى الآن يبدو أنه الطرف الذي نجح في نقل التفاوض ،من ملفات الصواريخ ومحور المقاومة إلى ملفات العقوبات والاقتصاد والبرنامج النووي، أما الخاسر الأكبر فهو الاعتقاد بأن القوة العسكرية وحدها قادرة على فرض الشروط السياسية،ويبقى الحكم النهائي مؤجلاً إلى ما بعد التوقيع، حين تبدأ مرحلة الاختبار الحقيقي… اختبار الالتزام، لا اختبار التوقيع.




