مدينة صور تحت النار!.. بقلم: د. وديعة الاميوني

ليست صور مدينة عابرة في الجغرافيا اللبنانية، بل واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم، وذاكرة مفتوحة على حضارات المتوسط منذ آلاف السنين. 

من المرافئ الفينيقية التي صنعت مجد التجارة البحرية، إلى الهيبودروم الروماني والأسواق القديمة والكاتدرائيات الصليبية، بقيت صور شاهدة على تاريخ طويل من الحروب والحصارات والقيامة المتكررة من “تحت الركام، مثل طوطمها “طائر الفينيق.

 

هذه المدينة التي واجهت حصار البابليين، ثم اجتياح الإسكندر المقدوني الذي غيّر جغرافيتها حين ربط الجزيرة بالبر، عاشت أيضًا الحروب الصليبية، والزلازل، والاجتياحات الحديثة، وصولًا إلى الاحتلال الإسرائيلي وحرب تموز 2006. 

وفي كل مرة، كانت صور تدفع ثمن موقعها ورمزيتها ودورها التاريخي، كما دفع أهلها وأهالي الجنوب أثمانًا إنسانية قاسية بين نزوحٍ متكرر وخسارات يومية تمسّ الحياة والكرامة والاستقرار.

 

واليوم، تعود مدينة صور إلى واجهة النار. الغارات الإسرائيلية المتصاعدة تطال المدينة ومحيطها، وسط الخوف والنزوح والدمار وأوامر إخلاء، وقصف عنيف خلّف قتلى وجرحى وأثار مخاوف حقيقية على المدنيين والمواقع التراثية فيها. 

وتشير بعض التقارير الإعلامية إلى تصعيد واسع طال أحياء ومناطق قريبة من المدينة التاريخية والاثرية، في مشهد يعيد إلى الذاكرة مشاهد الدمار التي عرفها الجنوب اللبناني في محطات عدة.

 

لكن ما يجري في مدينة صور اليوم، لا يجدر قراءته فقط كخبر أمني أو عسكري. فاستهداف مدينة تحمل هذا الإرث الحضاري يطال جزءًا من الذاكرة الإنسانية نفسها، لأن صور ليست ملك لبنان وحده، بل جزء من التراث العالمي المدرج على لوائح اليونسكو.

 

من هنا، تصبح مسؤولية الدولة اللبنانية مضاعفة، ولا سيما الوزارات المعنية التي يفترض أن تتحرك بما يتجاوز بيانات الإدانة التقليدية. فوزارة الخارجية مطالبة بتحويل قضية صور إلى ملف دبلوماسي دولي أمام الأمم المتحدة والمنظمات المعنية بحماية التراث والثقافة. ووزارة الثقافة مطالبة بإعلان حالة طوارئ ثقافية، وتوثيق أي أضرار تصيب المواقع الأثرية والتواصل المباشر مع اليونسكو والمؤسسات الأكاديمية والثقافية العالمية. 

أما وزارة السياحة، فعليها الدفاع عن صورة لبنان الحضارية، لأن ما يتم استهدافه ليس فقط الحجر، بل هوية مدينة شكّلت عبر القرون وجهًا من وجوه المتوسط الثقافية والإنسانية.

إن رفع الصوت اليوم ليس ترفًا سياسيًا أو إعلاميًا، بل واجب وطني وأخلاقي. فحين تُقصف مدينة بحجم صور، لا يُهدد الجنوب وحده، بل تُهدد ذاكرة حضارية تختصر تاريخ شعوب وحضارات تعاقبت على هذه الأرض!

 

الكاتبة: البروفسورة وديعة الاميوني

باحثة واستاذة جامعية

Post Author: SafirAlChamal