بين الطائفية والطوائفية: هل يحلّها “القانون الأرثوذكسي”؟.. بقلم: د. عاصم عبد الرحمن

لطالما تغنّى اللبنانيون بلبنان “وطن الرسالة”، كما وصفه البابا الراحل يوحنا بولس الثاني، وأكد البطريرك الراحل مار نصر الله بطرس صفير أنه لا يقوم إلا بجناحيه المسلم والمسيحي. غير أنّ هذا اللبنان، الذي يبالغ أحيانًا في استعراض وطنيته فيما تتآكل هويته الجامعة عند كل استحقاق مصيري، لا يلبث أن يسقط في امتحان التماسك الوطني كلما اشتدت الأزمات أو تعارضت المصالح الطائفية.

ولعلّ النقاش الذي أثاره مشروع قانون العفو العام لم يكن سوى محطة جديدة كشفت هشاشة التوافق اللبناني، وأظهرت حجم الالتباس الكامن في مفهوم “الديمقراطية التوافقية” التي يُفترض أنها تؤطر العمل السياسي في مجتمع تعددي كلبنان، فإذا بها تتحول في كثير من الأحيان إلى مساحة مفتوحة للمساومات الطائفية والتجاذبات المذهبية.

وبعيدًا عن الخطابات الرسمية المنمقة، تكفي جولة سريعة على منصات التواصل الاجتماعي لاكتشاف حجم الاحتقان الكامن بين اللبنانيين. فسرعان ما تتحول النقاشات السياسية إلى اشتباكات إلكترونية، تسقط فيها حتى الشخصيات الأكثر رصانة وثقافة في فخ الاصطفاف الطائفي. 

وكأن الطريق، مهما طال، ينتهي بالجميع إلى الطائفة أو المذهب أو العصبية المناطقية، قبل أن يُعاد إنتاج الخطاب ذاته تحت العبارة اللبنانية الشهيرة: “ليس من باب الطائفية… ولكن”.

هذه الـ”ولكن” تختصر معضلة لبنان كلها. فبين خطاب وطني معلن، وممارسة سياسية واجتماعية محكومة بالهواجس الطائفية، تبدو الحاجة ملحة لإعادة التفكير بجدية في كيفية بناء دولة حديثة قادرة على مواكبة التحولات العالمية الهائلة، دولة تقوم على الكفاءة لا المحاصصة، وعلى العدالة لا الزبائنية، وعلى المؤسسات لا الولاءات الضيقة.

لكن هل يمكن فعلًا بناء هذه الدولة عبر إنكار الواقع اللبناني القائم؟ هنا تكمن المعضلة الأساسية.

فبينما يتمترس كثير من اللبنانيين خلف رفض أي مشروع يُتهم بتكريس الطائفية، انطلاقًا من إيمان مشروع بضرورة بناء دولة مدنية حديثة، تبدو المفارقة أن هؤلاء أنفسهم يصطدمون، في كل استحقاق انتخابي أو سياسي، بواقع طائفي صلب لا ينهار بالشعارات ولا يذوب بالنوايا الحسنة.

من هنا، قد يكون من الضروري إعادة النظر في واحد من أكثر المشاريع الانتخابية إثارة للجدل في تاريخ لبنان الحديث: مشروع اللقاء الأرثوذكسي.

نعم، قد يبدو الطرح الأرثوذكسي للوهلة الأولى تكريسًا للطائفية، غير أنّ السؤال الأهم يبقى: هل يصنع هذا المشروع الطوائف فعلًا، أم أنه يعترف ببنية قائمة أصلًا ويحاول تنظيمها بدل تركها تنفجر بصورة مستترة ومستمرة؟

في الواقع، لا تبدو المشكلة اللبنانية كامنة في وجود الطوائف بحد ذاته، بل في محاولة إدارة بلد طوائفي بخطاب يتظاهر بأنه تجاوز الطوائف، فيما تستمر الحسابات السياسية والانتخابية قائمة عليها بصورة غير معلنة. لذلك، ربما لم يكن المشروع الأرثوذكسي خروجًا عن الواقع بقدر ما كان مواجهة صريحة له.

فكم مرة تكررت في الحياة السياسية اللبنانية العبارات ذاتها: نائب مسيحي وصل بأصوات المسلمين، أو ممثل مسلم جاء بغطاء سياسي ذي أكثرية مسيحية؟ وكم مرة تحولت هذه الوقائع إلى مادة دائمة للشكوك والهواجس والاتهامات المتبادلة، بما يكرّس الشعور بالغبن لدى مختلف المكونات اللبنانية؟

من هنا، قد يبدو الاعتراف المتبادل بالواقع الطوائفي، ولو مرحليًا، خطوة ضرورية نحو تخفيف الاحتقان بدل مراكمة الإنكار. فأن تختار كل طائفة ممثليها بصورة مباشرة، قد يساهم في تبريد المخاوف السياسية والطائفية، ويفتح الباب أمام انتقال أكثر هدوءًا نحو بناء دولة حديثة حقيقية، بدل استمرار الدوران في الحلقة ذاتها منذ الاستقلال عام 1943.

لا يعني ذلك بالضرورة أن المشروع الأرثوذكسي هو الصيغة المثالية أو النهائية للبنان، ولا أنه يشكل نهاية الطريق نحو الدولة المدنية المنشودة، لكنه ربما يكون ــ في ظل الواقع اللبناني القائم ــ أحد الممرات الممكنة إليها، لأنه ينطلق من الاعتراف بحقيقة البنية اللبنانية بدل القفز فوقها.

فلعلّ المعضلة اللبنانية الكبرى لا تكمن في الطوائف نفسها، بل في الإصرار على إنكار حضورها السياسي والاجتماعي، فيما تستمر في حكم تفاصيل الحياة العامة من خلف الستار. والدول، في نهاية المطاف، لا تعبر إلى الحداثة عبر إنكار واقعها، بل عبر فهمه أولًا، ثم السعي التدريجي إلى تجاوزه.

Post Author: SafirAlChamal