في زمن تتسع فيه المسافات، نجح الدكتور أنطوان اسطفان الدويهي في اختصارها، وجمع اهل الاعلام والناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي حول مائدة واحدة، مائدة محبة، عنوانها الصحافة وذكراها التي لا تشيخ “ذكرى شهداء الصحافة”.
لم يكن اللقاء عادياً كان أشبه بعودة إلى الجذور، حيث جلس الرعيل الأول إلى جانب المخضرمين، وتلاقى الجيل الجديد مع من مهدوا له الطريق.
لم يستثن أحداً، وكأن الرسالة واضحة بأن الصحافة ليست أفراداً بل سلالة من الكلمة، تمتد من الأمس إلى الغد بثقة ومسؤولية.
كلمة الدويهي جاءت مقتضبة لكنها أصابت المعنى حيث قال: نقف اليوم أمام ذكرى استثنائية في مرحلة مفصلية، محفورة في وجدان الوطن.
ذكرى من دفعوا حياتهم ثمنا للكلمة الحرة والموقف الوطني الصادق.
وننحني إجلالا أمام شهداء الصحافة في لبنان
الذين لم يكونوا مجرد ناقلي خبر، بل كانوا صوت الناس، وضمير الحقيقة، وحراس الحرية.
إن إعدام الصحافيين في ساحة الشهداء عام 1916 مناسبة ارتبطت بتضحيات جسام،
أكدت أن الكلمة قادرة على مواجهة القمع، وأنها عصية على الهزيمة.
ارتقى أولئك الشهداء لا لأنهم حملوا سلاحا، بل لأنهم حملوا قلما،
وقالوا «لا» في وجه الظلم، وكتبوا ما خاف غيرهم أن يكتبه،
فصاروا عنوانا للشجاعة،
ودليلا على أن الصحافة ليست مهنة فحسب، بل رسالة”.
ولفت الى ان الصحافة قدمت عبر عقود من الزمن قافلة من الشهداء في مشهد يؤكد أن ثمن الكلمة الحرة لم يتراجع يوما، وأن هناك من ينتظر وما بدلوا تبديلا.
ولفت الى الغياب الصارخ لتطبيق المواثيق الدولية التي تكفل حماية الإعلاميين،
لا سيما المراسلين الميدانيين، الذين يقفون على خطوط النار،
يغطون الأحداث من قلب الميدان، فهم يتعرضون لاعتداءات متكررة، خصوصا من قبل العدو الاسرائيلي، في خرق واضح لكل القوانين والأعراف الدولية.
واذ اكد أن حماية الإعلاميين ليست خيارا أخلاقيا فحسب، بل هي التزام قانوني دولي رأى أن استهداف الصحافيين في مجال النزاعات يعد انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني، ويجب محاسبة مرتكبيه.
وتوجه الدكتور الدويهي بنداء
إلى المؤسسات الإعلامية للتشدد باتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر أثناء أداء رسالتهم.
وتوجه الى الصحافيين بالقول: أنتم وقود الاستمرار وحملة الراية ومتاريس الوحدة الوطنية و انا كلي ثقة أن فيكم قوة لو فعلت لخلصت لبنان من الشوائب
التي تنهش جسده المتعب
بسنوات من العبث السياسي
ومن مقاربات الزواريب الضيقة
والتلطي خلف الطائفية وتغييب مشروع الدولة العادلة والجامعة والحاضنة للعدالة الاجتماعية على حساب المصالح الوطنية العليا، وأمن وأمان واستقرار وازدهار لبنان.
واكد ان الرهان اليوم عليهم وعلى دورهم وضميرهم المهني في رسم صورة لبنان الحر الموحد الذي ننتمي إليه، ونصبو أن يلاقي طموحات أبنائنا.
وعلى ذات النبض، تحدّث نائب نقيب محررين الصحافة اللبنانية الصحافي غسان ريفي، فشدّد على أن الموضوعية ليست خياراً إضافياً، بل جوهر المهنة، لأننا من دون أن نشعر نكتب تاريخاً سيقرأه الآخرون يوماً.
واذ شكر ريفي صاحب الدعوة باسم الاعلاميين تمنى الا تطالهم مسيرات العدو الاسرائيلي.
واكد الزميل ريفي ان تكريم الصحافيين هو دليل ايمان برسالة هذه المهنة ودليل وعي وثقافة، ومن يستثمر في الصحافة يكون استثماره ناجحاً لان من يكون الاعلام معه يكون اقوى مما يظن البعض.
واوضح ان المناسبة رمزية لكنها اليوم تحمل مأساة ومعاناة وشهداء لامس عددهم الـ٢٧ منهم الشهداء والمصابين، مشيراً الى ان النقابة فعلت كل ما يمكن على صعيد المؤسسات الدولية الاممية والحقوقية للجم العدو عن هذه الارتكابات التي يسعى من خلالها الى كسر الصحافة لاخفاء جرائمه ووحشيته وعدوانه سواء على غزة او على لبنان.
وتوجه بالتحية الى الشهيدة الحية ابنة زغرتا كارمن جوخدار.
ومن بين الكلمات، كانت شهادة الإعلامية رينا الدويهي المؤثرة أكثر من تجربة شخصية، كانت اعترافاً بالشغف، بتلك النار الصغيرة التي تدفع الصحافي للاستمرار رغم كل التعب، متحدثة عن شهداء الصحافة بتنوع اطيافهم وانتماءاتهم وقدسية رسالتهم.
أما الدكتورة راشيل معوض الدويهي فكانت في استقبالها وكلمتها على قدر المناسبة، حضوراً واحتواءً، كأنها تقول إن الكلمة تحتاج دائماً إلى من يحضنها.
أحسن الدويهي في إطلالته الرسمية الأولى، لم يختر منصة عالية، بل اختار الناس، أهل المهنة، أهل الوجع الجميل. وهل هناك أصدق من لقاءٍ يجمع من يكتبون الحياة كل يوم، وتكريمهم وتكريم شهدائهم الذين دفعوا ثمن الكلمة؟.
في الختام، لم يكن الوداع عابراً بل مع غرسة زيتون قُدّمت للحضور، لتبقى أكثر من تذكار، وتشكل وعداً صامتاً بأن هذه الأرض تُمسك بأهلها، وأن الهوية لا تُقتلع، وأن الكلمة مثل الزيتون قد تتعب، لكنها لا تموت.






